
مرَّ على الأرضِ زمانٌ كانَ فيه قومٌ يُفسِدون فيها ويسفكونَ الدماء. ولقد أمرَ اللهُ تعالى الملائكةَ بأن يُنزِلوا بساحةِ هؤلاءِ القومِ عذابَه، على أن يستثنوا واحداً منهم فلا يطالُه ذلك العذاب. ثم أنَّ اللهَ تعالى بيَّنَ للملائكةِ صفةَ ذلك المخلوقِ المستثنى وعرَّفهم بالكيفيةِ التي تكفلُ لهم أن يشخِّصوه ويتبيَّنوه من بين أولئك القومِ المفسدين. ولقد قالَ اللهُ تعالى للملائكةِ إنَّه جاعلٌ ذلك المخلوقَ، الذي اصطفاهُ واستثناهُ من عذابِه، في الأرضِ “خليفةً” يخلفُ أولئك القومَ المفسدين: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً). فما كان من الملائكةِ إلا أن عجِبوا من أمرِ اللهِ تعالى هذا: (قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ). فالملائكةُ لم يروا في ذلك المخلوقِ المصطفى المستثنى، الذي جعلَه اللهُ في الأرضِ خليفة، ما يُميِّزُه عن القومِ المفسدين. صحيحٌ أنَّ ذلك الخليفةَ كان طفلاً حينَها، غيرَ أنَّ الملائكةَ لم يروا فيه إلا واحداً من أولئك القومِ المفسدين؛ “فالطفل سيكبرُ يوماً ويصبحُ كقومِه يفسدُ في الأرضِ ويسفكُ الدماء”. فما كان من اللهِ تعالى إلا أن قالَ للملائكةِ: (إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ). فما الذي كان يعلمُه اللهُ تعالى ولم تكن الملائكةُ تعلمُه؟
فأنى للملائكةِ أن تعلمَ أنَّ اللهَ تعالى، وبنفخِه في ذلك المخلوقِ الاستثنائي الفريد من روحِه، قد جعلَه أهلاً لأن يخلفَ القومَ المفسدين، وذلك لأنَّ تلك النفخةَ قد صيَّرته “إنساناً في أحسنِ تقويم” لا ينبغي له أن يفعلَ ما كان يفعلُه أولئك القومُ المفسدون؟
