
مِن عجيبِ ما مَنَّ به اللهُ تعالى على أنبيائه أن جعلَ في حياتِهم أناساً ليسوا كباقي الناس، وذلك بما اختصَّهم به من نبيلِ الخصالِ وكريمِ السجايا وحُسنِ المعاملةِ ما يكفينا حتى نحيطَ بشيءٍ منه أن نستذكرَ ما كان عليه عزيزُ مصرَ مِن عطفٍ وحنانٍ وكرمٍ وإحسان. فعزيزُ مصرَ لم يصدر عنه يوماً ما يسيءُ إلى سيدِنا يوسف من قولٍ أو فعل. أنظر كيف أبقاهُ في قصرِه حتى من بعدما تأكَّدَ له أن امرأته قد شُغِفت به حُباً! فعزيزُ مصر كان يعلمُ عِلمَ اليقين أنَّ سيدَنا يوسف ما كان له أن يبدرَ منه ما زعمت به امرأتُه. وذلك فعلٌ لا يقوم به إلا مَن لم يكن من الذين يصدعون بما تأمرُهم به النفسُ ويزيِّنُه لهم الهوى. فلنا أن نتخيَّلَ ما كان سيفعلُه عزيزُ مصرَ لو أنَّه كان ممن نعرف من البشر!
(وَاسْتَبَقَا الْبَابَ وَقَدَّتْ قَمِيصَهُ مِنْ دُبُرٍ وَأَلْفَيَا سَيِّدَهَا لَدَى الْبَابِ قَالَتْ مَا جَزَاءُ مَنْ أَرَادَ بِأَهْلِكَ سُوءًا إِلَّا أَنْ يُسْجَنَ أَوْ عَذَابٌ أَلِيمٌ. قَالَ هِيَ رَاوَدَتْنِي عَنْ نَفْسِي وَشَهِدَ شَاهِدٌ مِنْ أَهْلِهَا إِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ قُبُلٍ فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الْكَاذِبِينَ. وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِنَ الصَّادِقِينَ. فَلَمَّا رَأَى قَمِيصَهُ قُدَّ مِنْ دُبُرٍ قَالَ إِنَّهُ مِنْ كَيْدِكُنَّ إِنَّ كَيْدَكُنَّ عَظِيمٌ. يُوسُفُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا وَاسْتَغْفِرِي لِذَنْبِكِ إِنَّكِ كُنْتِ مِنَ الْخَاطِئِينَ. وَقَالَ نِسْوَةٌ فِي الْمَدِينَةِ امْرَأَةُ الْعَزِيزِ تُرَاوِدُ فَتَاهَا عَنْ نَفْسِهِ قَدْ شَغَفَهَا حُبًّا إِنَّا لَنَرَاهَا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. فَلَمَّا سَمِعَتْ بِمَكْرِهِنَّ أَرْسَلَتْ إِلَيْهِنَّ وَأَعْتَدَتْ لَهُنَّ مُتَّكَأً وَآتَتْ كُلَّ وَاحِدَةٍ مِنْهُنَّ سِكِّينًا وَقَالَتِ اخْرُجْ عَلَيْهِنَّ فَلَمَّا رَأَيْنَهُ أَكْبَرْنَهُ وَقَطَّعْنَ أَيْدِيَهُنَّ وَقُلْنَ حَاشَ لِلَّهِ مَا هَذَا بَشَرًا إِنْ هَذَا إِلَّا مَلَكٌ كَرِيمٌ) (25- 31 يوسف).
