
نقرأُ في سورةِ التين، وفي الآياتِ الكريمةِ 1- 6 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ. وَطُورِ سِينِينَ. وَهَذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ. لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ. ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ. إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ). فما هي العلةُ من وراءِ قَسَمِ اللهِ تعالى بـ “البلدِ الأمين” قبلَ أن يُتبِعَ بقولِه “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ “البلدَ الأمين” هو واحدٌ من الأسماءِ التي سمَّى اللهُ تعالى بها مكةَ المكرمةَ في قرآنِه العظيم. فـ “البلدُ الأمين” هو مكةُ التي قالَ فيها اللهُ تعالى:
1- (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون) (57 القصص).
2- (أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ) (67 العنكبوت).
3- (إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ) (91 النمل).
فـ “البلدُ الأمينُ” إذاً هو البلدُ الآمنُ الذي أطعمَ اللهُ تعالى أهلَه من جوعٍ وآمنَهم من خوف: (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ. الَّذِي أَطْعَمَهُمْ مِنْ جُوعٍ وَآمَنَهُمْ مِنْ خَوْفٍ) (3- 4 قريش).
فاللهُ تعالى أسكنَ آدمَ وزوجَه الجنةَ وذلك من بعدِ أن استخلفَه فجعلَه في الأرضِ خليفة. ولقد تعيَّنَ على آدمَ وزوجِه أن يعودا إلى الأرضِ، وذلك من بعدِ أكلِهما من الشجرةِ التي نهاهما اللهُ تعالى عنها، فكان أن أُهبِطا في “بكةَ”، والتي أصبحت لاحقاً تُسمى “مكة”، لحكمةٍ وتَعِلَّةٍ لا يعلمُها إلا هو. فاللهُ تعالى اصطفى هذا الوادي الذي هو غيرُ ذي زرع ليكونَ مهبطَ أبوينا آدمَ وزوجِه، ولتبدأَ منه بعدها رحلةُ بَني آدمَ على هذه الأرض؛ هذه الرحلةُ التي قدَّرَ لها اللهُ تعالى أن تنتهيَ بقدومِ يومِ القيامة الذي لن يُزحزحَ عن نارِه، ويُدخلَ جنتَه، إلا مَن اتَّبعَ هَديَ الله ولم يكن من الذين آثروا اتباعَ ما تهوى أنفسُهم. فرحلةُ الإنسانِ على هذه الأرض ابتدأت يومَ خلقَ اللهُ تعالى آدمَ إنساناً في أحسنِ تقويم، واتَّخذت لها وجهةً صوبَ يومِ القيامة ما أن وطأت أقدامُ أبوَينا الأرضَ بهبوطِهما من الجنة.
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ قسمَ اللهِ تعالى ببكةَ “البلدِ الأمين”، وذلك من قبل أن يُتبِعَ بقولِه “لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ”، إنما هو تذكرةٌ وتبصِرة لكلِّ مَن اختارَ أن يتَّبعَ هَديَ الله ويتَّخذَه وسيلتَه ليعودَ بواسطتها إلى ما كان عليه الإنسانُ أولَ مرة: “إنساناً في أحسنِ تقويم”. فقسَمُ اللهِ تعالى بـ “البلدِ الأمين” إذاً هو تذكيرٌ لِعبادِ اللهِ المتقين بما يتوجَّبُ عليهم أن يضعوه نصبَ أعيُنِهم من تِبيانٍ قرآني لأصلِ “المشكلةِ الإنسانية” وتفصيلٍ لما يوجبُه اتِّباعُ سبيلِ الرُّشدِ من التزامٍ بِهَدي الله الذي هو وحدَه المُفضي إلى الفوزِ بالسعادةِ في الدنيا والآخرة.
