
تباينت آراءُ جمهورِ المفسِّرين في مرادِ اللهِ ومقصودِه من الآيةِ الكريمة 22 من سورةِ ق: (لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ). وهذا التباينُ هو مما لا ينبغي أن يكون! فاللهُ تعالى يسَّرَ قرآنَه العظيم فجعلَ آياتِه المُحكَماتِ لا تحتملُ من المعاني ما يتعارضُ بعضُها مع بعض. فهذه الآيةُ الكريمة ليس لها غيرُ معنىً واحدٍ ليس بالعسيرِ تبيُّنُه إن نحن تدبَّرناها في سياقِها الذي كفَّلَه اللهُ تعالى ما يُعينُ متدبِّرَه على أن يحيطَ به بكلِّ سهولةٍ ويُسر. لنتدبَّر هذا السياقَ الذي وردت خلالَه الآيةُ الكريمةُ موضوعُ هذا المنشور: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ. إِذْ يَتَلَقَّى الْمُتَلَقِّيَانِ عَنِ الْيَمِينِ وَعَنِ الشِّمَالِ قَعِيدٌ. مَا يَلْفِظُ مِنْ قَوْلٍ إِلَّا لَدَيْهِ رَقِيبٌ عَتِيدٌ. وَجَاءَتْ سَكْرَةُ الْمَوْتِ بِالْحَقِّ ذَلِكَ مَا كُنْتَ مِنْهُ تَحِيدُ. وَنُفِخَ فِي الصُّورِ ذَلِكَ يَوْمُ الْوَعِيدِ. وَجَاءَتْ كُلُّ نَفْسٍ مَعَهَا سَائِقٌ وَشَهِيدٌ. لَقَدْ كُنْتَ فِي غَفْلَةٍ مِنْ هَذَا فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ) (16- 22 ق).
فتدبُّرُ قولِ اللهِ تعالى “فَكَشَفْنَا عَنْكَ غِطَاءَكَ فَبَصَرُكَ الْيَوْمَ حَدِيدٌ” في سياقِه الذي وردَ خلالَه كفيلٌ بأن ينتهِيَ بنا إلى الإحاطةِ بالمعنى الذي ينطوي عليه. فالكلامُ غيرُ موصولٍ بهذه الحياةِ الدنيا، وذلك كما توهَّمَ البعض! فالأمرُ ذو علاقةٍ بأحداثِ يومِ القيامة وما سوف يُضطرُّ الذين كفروا إلى الإقرارِ به من حقائقَ ما آمنوا بها في دنياهم بل جحدوا بها مكذِّبين معاجِزين. فإذا كان الكافرُ في الدنيا قد غلبت عليهِ شِقوتُه وطوَّعت له نفسُه أن يغُذَّ السيرَ بعيداً عن صراطِ اللهِ المستقيم، منكِراً البعثَ والقيامةَ والحساب، فإنَّه لن يبقى على هذا الحالِ من الإنكارِ والمعاجزةِ والتكذيب يومَ القيامة، يومَ يكشفُ اللهُ تعالى عنه غِطاءَه الذي ما سلَّطَه عليه في حياتِه الدنيا إلا من بعدِما زاغَ القلبُ منه فكان حقاً على اللهِ تعالى أن يُزيغَه فيُبعِدَه عن الحقِّ وأهلِه فلا يكونُ بعدها بمقدورِه أن يتبيَّنَ سبيلَ الرُّشدِ من سبيلِ الغَي.
فالكافرُ يومَ القيامة لن يعودَ بمقدورِ نفسِه أن تفرِضَ عليهِ وصايتَها وسطوتَها، أما وأنَّ المُلكَ الحقَّ يومَ القيامة هو للهِ الحقِّ المبين. فالذي كان يحولُ بين الكافرِ وتبيُّنِ حقيقةِ الدنيا هو هذا الإمعانُ من جانبِه في الخضوعِ لنفسِه والإطاعةِ لِما تُطوِّعُه له من نأيٍ عن سبيلِ الله وإعراضٍ عن اتِّباعِ هُداه.
