في “عَجيب” الكافرينَ و”عُجابِهم”… قراءةٌ في أوائلِ سورةِ ق وسورةِ ص

نقرأُ في سورةِ ق، وفي الآياتِ الكريمةِ 1-3 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (ق وَالْقُرْآنِ الْمَجِيدِ. بَلْ عَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ فَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا شَيْءٌ عَجِيبٌ. أَئِذَا مِتْنَا وَكُنَّا تُرَابًا ذَلِكَ رَجْعٌ بَعِيدٌ). فالكافرون هذا هو مقالُهم على مَرِّ العصورِ وكَرِّ الدهور. كيف لا وهُم يُحكِّمون عقولَهم في الغيبِ الذي جاءهم به من عندِ اللهِ تعالى أنبياؤه المُرسَلون؟! فتحكيمُ العقلِ في الغيبِ الذي جاءَنا به من عندِ اللهِ تعالى أنبياؤه المُرسَلون لن ينتهيَ بنا إلا إلى الانتصارِ لِما أُحضِرَه العقلُ من انشغالٍ بالواقعِ ودورانٍ في فلَكِ أسبابِه وقوانينِه؛ هذه الأسبابُ والقوانينُ التي يسَّرَ اللهُ تعالى لنا بها أن نفهمَ ونفقهَ ما يجري من حولِنا في هذا العالَمِ من وقائعَ وأحداث، ولم يجعل بمقدورها أن تُعينَنا على التعاملِ المعرفي مع ما غيَّبَه عنا من غيوبِ هذه الحياةِ الدنيا وغيوبِ الآخرة. فكيف لا يكونُ “عجيباً” في نظرِ الكافرين إذاً أن يبعثَ اللهُ تعالى الموتى يومَ القيامة؟
كما ونقرأُ في سورةِ ص، وفي الآياتِ الكريمةِ 1- 5 منها، قولَ اللهِ تعالى: (ص وَالْقُرْآنِ ذِي الذِّكْرِ. بَلِ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي عِزَّةٍ وَشِقَاقٍ. كَمْ أَهْلَكْنَا مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ قَرْنٍ فَنَادَوْا وَلَاتَ حِينَ مَنَاصٍ. وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ. أَجَعَلَ الْآلِهَةَ إِلَهًا وَاحِدًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عُجَابٌ). فالعقلُ البشري عاجزٌ، إذا ما خُلِّيَ بينه وبين ما يحدثُ من حولِه من أحداث، عن أن يتبيَّنَ وحدَه أنَّ لهذا الوجودِ رباً إلهاً واحداً هو المتحكِّمُ في كلِّ ما يحدثُ فيه، وهو الذي يقفُ من وراءِ الأسبابِ الكامنةِ من وراءِ حدوثِها، وإلى الحدِّ الذي لا يكونُ بمقدورِ هذه الأسبابِ أن تفعلَ فِعلَها من دون أن يُمدَّها بما يمكِّنُها من ذلك. فاللهُ تعالى هو علةُ هذه الأسبابِ والمسبِّبُ الذي لولاه ما كان لها أن تتسبَّبَ في حدوثِ هذه الأحداث. فالكافرون ليس بمقدورِهم، أما وقد احتكموا إلى عقولِهم فحكَّموها فيما لم تُخلَق له ولم يُيسَّر لها أن تتعاملَ معرفياً معه، أن يسبروا أغوارَ الأحداثِ وصولاً إلى الإحاطةِ بالعلةِ المتحكمةِ بأسبابِ حدوثِها.
فكيف لا يكونُ بعدها في نظرِ الكافرين “عجيباً” أن يبعثَ اللهُ الموتى؟ وكيف لا يكونُ في نظرِهم “عُجاباً” ألا يكونَ في هذا الوجودِ من إلهٍ إلا الله؟

أضف تعليق