في معنى “سُلطان” في قَولِ اللهِ تعالى “يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ”

تحدَّى اللهُ تعالى الجِنَّ والإنسَ قاطبةً أن يكونَ بمقدورِهم أن “ينفذوا من أقطارِ السمواتِ والأرض”؛ هذه الأقطارُ التي جعلها اللهُ تعالى الحدودَ القصوى لانتشارِ مادةِ هذا الوجودِ الذي وسِعَ كرسيُّهُ سماواتِه وأرضَه: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ إِنِ اسْتَطَعْتُمْ أَنْ تَنْفُذُوا مِنْ أَقْطَارِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ فَانْفُذُوا لَا تَنْفُذُونَ إِلَّا بِسُلْطَانٍ) (33 الرحمن).
ولقد أنبأنا اللهُ تعالى أيضاً في قرآنِه بالعلةِ من وراءِ استحالةِ هذا النفاذ: (يُرْسَلُ عَلَيْكُمَا شُوَاظٌ مِنْ نَارٍ وَنُحَاسٌ فَلَا تَنْتَصِرَانِ) (35 الرحمن). ويُخطِئُ مَن يظنُّ أنَّ “النفاذَ من أقطارِ السمواتِ والأرضِ” مكفولٌ لكلِّ مَن استعانَ على ذلك بـ “سلطانٍ” هو من وجهةِ نظرِه العلمُ الذي تمكَّنَ به الإنسانُ من “سبرِ أغوارِ الفضاء” يومَ غادرَ كوكب الأرضِ إلى القمر! ومكمنُ هذا الخطأ هو أنَّ “أقطارَ السمواتِ والأرض” لا علاقةَ لها من قريبٍ أو بعيد بـ “السماءِ الدنيا” التي جعلَ اللهُ تعالى القمرَ فيها نوراً وجعلَ فيها الشمسَ ضياءً. فـ “أقطارُ السمواتِ والأرضِ” هي الحدودُ الفاصلةُ بين عالَمين لا تشابُهَ بينهما على الإطلاق. وهذان العالَمانِ هما: “عالمُ كرسيِّ اللهِ” الذي يُشارُ إليه بـ “السمواتِ والأرض”، و”عالَمُ عرشِ الله” الذي لا يتواجدُ فيه مع اللهِ أحدٌ من خَلقِه.
فإن لم يكن “العلمُ” هو المعنى الذي تنطوي عليه كلمةُ “سلطان” في الآيةِ الكريمة 33 من سورةِ الرحمن أعلاه، فإلامَ تُشيرُ كلمةُ “سلطان” إذاً؟
يُعينُ على تبيُّنِ الأجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى. ذُو مِرَّةٍ فَاسْتَوَى. وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى. ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى. فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى) (1- 9 النجم). فرسولُ اللهِ صلّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هو المخلوقُ الوحيدُ الذي أذِنَ له اللهُ تعالى بأن ينفذَ من “أقطارِ السمواتِ والأرض”، وذلك بأن يسَّرَ له هذا النفاذَ بِما أيَّدَه به من “سلطان” مكَّنَه من ألا يُصيبَه من “شُواظِ نارِ ونحاسِ أقطارِ السمواتِ والأرض” شيء. أما ماهيةُ هذا “السلطان”، فلقد غيَّبها اللهُ تعالى عنا إذ لم يذكر عنها شيئاً يعرِّفُها به في قرآنِه العظيم.

أضف تعليق