
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما وردَ في القرآنِ العظيم من قصَصِ الأنبياء والمُرسَلين، أنَّ من عظيمِ فضلِ اللهِ تعالى على سيدِنا موسى أنَّه لم يكن يسأل اللهَ تعالى شيئاً إلا وأجابَهُ اللهُ تعالى إليه، خلا مرةً واحدة لم يتأتَّ لسيدِنا موسى فيها الحصولُ على ما كان يبتغيه. فلقد دعا سيدُنا موسى اللهَ تعالى أن يغفرَ له ما جنته يدُه بحقِّ الذي هو عدوٌّ له وللذي هو من شيعتِه، فكان أن غفرَ اللهُ تعالى له: (قَالَ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي فَاغْفِرْ لِي فَغَفَرَ لَهُ إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ) (16 القصص).
ثم أنَّ سيدَنا موسى، ومن بعدِ أن استمعَ لنصيحةِ ناصحٍ أمين، خرجَ من مصرَ فاراً من القومِ الظالمين، فكان أن دعا اللهَ تعالى: (قَالَ رَبِّ نَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (من 21 القصص) و(عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ) (من 22 القصص).
ولقد أتبعَ سيدُنا موسى هذين الدعاءَين بدعاءٍ ثالثٍ ما أن وردَ ماءَ مدين: (وَلَمَّا وَرَدَ مَاءَ مَدْيَنَ وَجَدَ عَلَيْهِ أُمَّةً مِنَ النَّاسِ يَسْقُونَ وَوَجَدَ مِنْ دُونِهِمُ امْرَأتَيْنِ تَذُودَانِ قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاءُ وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ. فَسَقَى لَهُمَا ثُمَّ تَوَلَّى إِلَى الظِّلِّ فَقَالَ رَبِّ إِنِّي لِمَا أَنْزَلْتَ إِلَيَّ مِنْ خَيْرٍ فَقِيرٌ) (23- 24 القصص).
فكان أن استجابَ اللهُ تعالى أدعيةَ سيدِنا موسى الثلاثةَ هذه استجابةً بوسعنا أن نتبيَّنها بتدبِّر الآيةِ الكريمة التي تلت دعاءه الثالث أعلاه: (فَجَاءَتْهُ إِحْدَاهُمَا تَمْشِي عَلَى اسْتِحْيَاءٍ قَالَتْ إِنَّ أَبِي يَدْعُوكَ لِيَجْزِيَكَ أَجْرَ مَا سَقَيْتَ لَنَا فَلَمَّا جَاءَهُ وَقَصَّ عَلَيْهِ الْقَصَصَ قَالَ لَا تَخَفْ نَجَوْتَ مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ) (25 القصص). فلقد استجابَ اللهُ تعالى دعاءَ سيدِنا موسى فنجاه من القومِ الظالمين وهداه سواءَ السبيل وذلك بأن يسَّرَ له ذلك اللقاءَ القدري الذي جمعَه بالعبدِ الصالحِ الذي آواه وأجاره وزوَّجَه إحدى ابنتَيه.
ونقرأُ في الآياتِ الكريمةِ 25- 35 من سورةِ طه: (قَالَ رَبِّ اشْرَحْ لِي صَدْرِي. وَيَسِّرْ لِي أَمْرِي. وَاحْلُلْ عُقْدَةً مِنْ لِسَانِي. يَفْقَهُوا قَوْلِي. وَاجْعَلْ لِي وَزِيرًا مِنْ أَهْلِي. هَارُونَ أَخِي. اشْدُدْ بِهِ أَزْرِي. وَأَشْرِكْهُ فِي أَمْرِي. كَيْ نُسَبِّحَكَ كَثِيرًا. وَنَذْكُرَكَ كَثِيرًا. إِنَّكَ كُنْتَ بِنَا بَصِيرًا) (25- 35 طه). وما أن فرغَ سيدُنا موسى من دعائه هذا حتى أبلغَه اللهُ تعالى بأنَّه قد آتاهُ ما سأله: (قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يَا مُوسَى) (36 طه).
كما ونقرأُ في الآيةِ الكريمة 88 من سورةِ يونس: (وَقَالَ مُوسَى رَبَّنَا إِنَّكَ آتَيْتَ فِرْعَوْنَ وَمَلَأَهُ زِينَةً وَأَمْوَالًا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا رَبَّنَا لِيُضِلُّوا عَنْ سَبِيلِكَ رَبَّنَا اطْمِسْ عَلَى أَمْوَالِهِمْ وَاشْدُدْ عَلَى قُلُوبِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُوا حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ). فكان أن استجابَ اللهُ تعالى لسيدِنا موسى وآتاهُ سؤلَه: (قَالَ قَدْ أُجِيبَتْ دَعْوَتُكُمَا فَاسْتَقِيمَا وَلَا تَتَّبِعَانِّ سَبِيلَ الَّذِينَ لَا يَعْلَمُون) (89 يونس).
والآن، ما هي تلك المرةُ الوحيدةُ التي لم يستجب فيها اللهُ تعالى دعاءَ سيدِنا موسى؟
يتكفَّلُ بالإجابةِ على سؤالنا هذا أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآيةَ الكريمةَ 143 من سورةِ الأعراف: (وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ قَالَ رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ قَالَ لَنْ تَرَانِي وَلَكِنِ انْظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَى صَعِقًا فَلَمَّا أَفَاقَ قَالَ سُبْحَانَكَ تُبْتُ إِلَيْكَ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُؤْمِنِينَ).
