
نقرأُ في سورةِ النساء، وفي الآياتِ الكريمةِ 97- 99 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ تَوَفَّاهُمُ الْمَلَائِكَةُ ظَالِمِي أَنْفُسِهِمْ قَالُوا فِيمَ كُنْتُمْ قَالُوا كُنَّا مُسْتَضْعَفِينَ فِي الْأَرْضِ قَالُوا أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا فَأُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَسَاءَتْ مَصِيرًا. إِلَّا الْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ لَا يَسْتَطِيعُونَ حِيلَةً وَلَا يَهْتَدُونَ سَبِيلًا. فَأُولَئِكَ عَسَى اللَّهُ أَنْ يَعْفُوَ عَنْهُمْ وَكَانَ اللَّهُ عَفُوًّا غَفُورًا). فما هو معنى “أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا” في قَولِ اللهِ تعالى هذا؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قَولَ اللهِ تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهَاجِرُوا مَا لَكُمْ مِنْ وَلَايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهَاجِرُوا وَإِنِ اسْتَنْصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ إِلَّا عَلَى قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِيثَاقٌ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ) (72 الأنفال).
فاللهُ تعالى، وبقَولِه “أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً فَتُهَاجِرُوا فِيهَا”، إنما كان يحضُّ ويُحرِّضُ المتخلِّفين عن اللحاقِ برسولِه صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أن يُسارِعوا إلى الهجرةِ إليه خروجاً من ديارِهم إلى المدينة. فـ “أرضُ اللهِ الواسعةُ” إذاً في هذه الآيةِ الكريمة المقصودُ بها هو المدينةُ التي نوَّرَها اللهُ تعالى بنورِ رسولِه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم. وبذلك يكونُ اللهُ تعالى قد أسقطَ حجةَ أولئك الذين كانوا يسوِّغون لِما كانوا عليه من إعراضٍ عن إقامةِ دينِ الله بأنهم كانوا “مستضعفين في الأرض”.
