
نقرأُ في سورةِ الأنبياء، وفي الآيتَين الكريمتَين 92- 93 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ. وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ كُلٌّ إِلَيْنَا رَاجِعُونَ).
للهِ تعالى سُنَنٌ في خَلقِه تأبَّى إلا أن تضطرَّ الأيامَ حتى تجيءَ وقائِعُها وأحداثُها موافقةً لِما تقضي به هذه السُّنَن. ومن ذلك ما كشفَ لنا اللهُ تعالى النقابَ عنه في قرآنِه العظيم بتِبيانِه لنا الحقيقةَ التي مفادُها أنَّ ما من نبيٍّ مرسَلٍ من عندِه إلا وانبرى القومُ من بعدِه يقاتلُ بعضُهم بعضاً ويكفِّرُ بعضُهم بعضاً ويلعنُ بعضُهم بعضاً! صحيحٌ أنَّ اختلافَ بَني آدم قانونٌ إلهي لا حيودَ عنه ولا محيصَ منه: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ) (118 هود)، إلا أنَّ الاختلافَ داخلَ الملةِ الواحدة هو هذا التقطُّعُ في الأمرِ بين أصحابِها، وهو الذي فصَّلَه لنا قولُ اللهِ تعالى: “وَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ”. فأصحابُ الملةِ الواحدة الذين “تَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ” لم يرعوا حدودَ اللهِ ولم يُراعوا حُرُماتِه إذ بالغوا في الاختلافِ فيما بينهم وبما جعلَهم أحزاباً “كلُّ حزبٍ بما لديهم فرحون”: (فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُرًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ) (53 المؤمنون)، (وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُشْرِكِينَ. مِنَ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُون) (من 31- 32 الروم).
