
نقرأُ في الآيةِ الكريمة 146 من سورةِ البقرة: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ وَإِنَّ فَرِيقًا مِنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ). كما ونقرأُ في الآيةِ الكريمة 20 من سورةِ الأنعام: (الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمُ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ). فما هو معنى قَولِ اللهِ تعالى “يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءَهُمْ” في هاتين الآيتَين الكريمتَين؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قَولَ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 157 من سورةِ الأعراف: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ فَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ وَعَزَّرُوهُ وَنَصَرُوهُ وَاتَّبَعُوا النُّورَ الَّذِي أُنْزِلَ مَعَهُ أُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآيةِ الكريمة، أنَّ الذين أوتوا الكتاب كانوا يجدون في التوراةِ والإنجيل ما يُعرِّفُ رسولَ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليه وسلِّم بِصفتِه ونَعتِه وشمائلِه وخِصالِه وبكلِّ ما يكفلُ للناظرِ إليه منهم أن يتبيَّنَه كما لو أنَّه أحدُ أبنائه. ولقد فصَّلت التوراةُ والإنجيلُ أيضاً مضمونَ دعوةِ رسولِ اللهِ صلى اللهُ تعالى عليهِ وسلَّم وبيَّنتا مفصَّلَ أوامرِه ونواهيه. كما وبيَّنت التوراةُ والإنجيلُ أيضاً أنَّه صلى اللهُ تعالى عليه وسلَّم هو الذي سيرفعُ عنهم ما كان اللهُ تعالى قد فرضه عليهم من محدِّداتٍ ومحرَّمات طالت مأكلَهم وغيرَ ذلك مما جرَّه عليهم بغيُهم وظلمُهم من إصرٍ وأغلال: (وَعَلَى الَّذِينَ هَادُوا حَرَّمْنَا كُلَّ ذِي ظُفُرٍ وَمِنَ الْبَقَرِ وَالْغَنَمِ حَرَّمْنَا عَلَيْهِمْ شُحُومَهُمَا إِلَّا مَا حَمَلَتْ ظُهُورُهُمَا أَوِ الْحَوَايَا أَوْ مَا اخْتَلَطَ بِعَظْمٍ ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِبَغْيِهِمْ وَإِنَّا لَصَادِقُونَ) (146 الأنعام).
