ما بينَ “العُسرِ واليُسر” تصاحبٌ قدَريٌّ محتوم كذاك الذي بينَ “الداءِ والدواء”

نقرأُ في الآيتَين الكريمتَين 5- 6 من سورةِ الشَّرح قَولَ اللهِ تعالى: (فَإِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا. إِنَّ مَعَ الْعُسْرِ يُسْرًا). فاللهُ تعالى يكشفُ لنا النقابَ في هاتين الآيتَين الكريمتَين عن واحدةٍ من حقائقِ الوجودِ الإنساني على هذه الأرض؛ هذا الوجودُ الذي تُخفِقُ كلُّ محاولةٍ لمقاربتِه إن هي لم تأخذ بعَينِ الاعتبار ما يتمايزُ به الإنسانُ عن غيرِه من المخلوقاتِ التي قدَّرَ اللهُ تعالى لها أن تعمُرَ برَّ الأرضِ وبحرَها وجوَّها. فالإنسانُ، وعلى خلافِ هذه المخلوقات كلِّها جميعاً، قد اختصَّه اللهُ تعالى إذ جعلَه محلَّ ابتلائه وتمحيصِه وفِتنتِه.
ومن بينِ ما يُمَحَّصُ به الإنسانُ هو هذا العسرُ الذي قدَّرَ اللهُ تعالى له أن يُفتنَ به ويُبتلى. ومِن عظيمِ رحمةِ اللهِ تعالى بالإنسان أن جعلَ هذا العسرَ لا يجيءُ وحدَه من دونِ أن يصاحبَه يُسرٌ قد يتلطَّفُ فلا يكونُ بمقدورِ الإنسانِ أن يتبيَّنَه. فالعلاقةُ بين العسرِ واليُسر هي علاقةُ تصاحُبٍ قدَريٍّ محتوم. فلا عسرَ إلا ويصاحبُه يُسر، كما ألا عسرَ يدومُ من دونِ أن يجيءَ بعدَه يُسرٌ: (سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْرًا) (من 7 الطلاق).
وهذا التصاحبُ القدَريُّ المحتوم بين العُسرِ واليُسر لَيُذكِّرنا بتصاحبٍ قدَري محتومٍ آخر بإمكانِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قَولِ رسولِ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم: “إن اللهَ عزَّ وجل أنزل الداءَ والدواء، وجعل لكلِّ داءٍ دواء، فتداووا ولا تداووا بحرام”. فكيف لا تكونُ العلاقةُ بين الداءِ والدواءِ علاقةَ تصاحبٍ قدَري محتوم، والداءُ هو ضربٌ من ضروبِ العُسر، وهو لذلك لا يمكنُ أن يجيءَ وحدَه دون أن يُصاحبَه يُسرٌ هو هذا الدواءُ الذي بشَّرنا رسولُ اللهِ صلى الله تعالى عليه وسلم بأن لا داءَ يُبتلى به العبدُ إلا وصاحبَه.

أضف تعليق