
يبالغُ كثيرٌ منا في الانبهارِ بالعِلم ظناً وتوهُّماً بألا صوتَ له أن يعلوَ فوقَ صوتِه، وألا حُكمَ غيرُ حُكمِه، وألا أحدَ بمقدورِه أن يدلوَ بدلوِه من بعدِه! وهذا ظنٌّ بالإمكانِ دحضُه وتفنيدُه إن نحن استعنَّا بقرآنِ اللهِ العظيم على “غربلةِ” ما قُدِّرَ لنا أن نحيطَ به عِلماً من الوقائعِ والأحداث. فما كلُّ ما يحدثُ في هذا الوجودِ من الوقائعِ والأحداث بوسعِ العلمِ أن يستوعبَه فيُفسِّرَه وفقاً لما قُيِّضَ له أن ينتهيَ إليه من تصوُّرٍ لهذا الوجود، وذلك بما تأتَّى له أن يتبيَّنَه من وقائعِه وأحداثِه.
ولنأخذ، وعلى سبيلِ المثال، الآركيولوجيا، أي علمَ دراسةِ الآثارِ التي خلَّفَها الإنسانُ وراءَه منذ أن وطأتَ قدماهُ الأرض. فليس كلُّ ما حدثَ في تاريخِ الإنسان قد أحدثَه الإنسان! ولن يُودِيَ بالعلمِ إصرارُه على ألا ذكاءَ عاقلاً، غيرَ ذكاءِ الإنسان، يقِفُ وراءَ ما حدثَ على هذه الأرض منذ ظهورِ الإنسانِ عليها، إلا إلى مزيدٍ من الغيِّ والتخبُّطِ في دياجيرِ الجهلِ بما حدثَ فعلاً وما وقعَ حقاً وحقيقة: (أفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لَا تَعْمَى الْأَبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ) (46 الحج).
فلو أنَّ علماء الآركيولوجيا كانوا أكثرَ تمسُّكاً بمنهجيةِ العِلمِ الذي يدَّعون، أما كان ليتبيَّنَ لهم أنَّ هنالك من الوقائعِ والأحداث ما ليس بمقدورِ العلمِ الذي بينَ أيديهم أن يتعاملَ معه تعامُلَه مع وقائعَ وأحداثٍ أخرى؟! فاللهُ تعالى أخذَ، ببطشِه الشديد، قرىً ظالمةً فأزالَها من الوجودِ ولم يُبقِ لها على أثرٍ يدلُّ عليها غيرَ ما شاءَ أن يبقى تبصرةً وذكرى “لِمَنْ كَانَ لَهُ قَلْبٌ أَوْ أَلْقَى السَّمْعَ وَهُوَ شَهِيدٌ”. وأخذُ اللهُ تعالى هذا ليس من جملةِ القوانينِ والأسبابِ التي هي مدارُ بحثِ علم الآركيولوجيا حتى يُقيَّضَ للقائمين عليه أن يستعينوا بها ليتبيَّنَ لهم استحالةُ أن يُعلَّلَ بهذه القوانينِ والأسبابِ له: (وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ إِنَّ أَخْذَهُ أَلِيمٌ شَدِيد) (102 هود)، (أَوَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ كَانُوا أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَأَثَارُوا الْأَرْضَ وَعَمَرُوهَا أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَمَا كَانَ اللَّهُ لِيَظْلِمَهُمْ وَلَكِنْ كَانُوا أَنْفُسَهُمْ يَظْلِمُون) (9 الروم)، (أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَلِلْكَافِرِينَ أَمْثَالُهَا) (10 محمد).
