في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ”

نقرأُ في سورةِ البقرة، وفي الآيةِ الكريمة 211 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب). فما هو معنى “وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يظنُّ الإنسانُ أنَّ ما يحولُ بينه وبين أن يكونَ من أقربِ خلقِ اللهِ تعالى إليه هو آيةٌ من اللهِ تعالى لن يكفرَ من بعدِها أبداً! وهذا ظنٌّ يدحضُه ويُفنِّدُه ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمةِ: (الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ عَهِدَ إِلَيْنَا أَلَّا نُؤْمِنَ لِرَسُولٍ حَتَّى يَأْتِيَنَا بِقُرْبَانٍ تَأْكُلُهُ النَّارُ قُلْ قَدْ جَاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّنَاتِ وَبِالَّذِي قُلْتُمْ فَلِمَ قَتَلْتُمُوهُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ) (183 آل عِمران). فقومُ سيدِنا موسى لم يزدادوا بما أنزلَه اللهُ تعالى عليهم من آياتٍ معجزات إلا إيغالاً في إيذائه: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ لِمَ تُؤْذُونَنِي وَقَدْ تَعْلَمُونَ أَنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ) (من 5 الصف). فسيدُنا موسى يُشيرُ هنا إلى ما شهده قومُه بأُمِّ أعيُنهم من نعمةِ اللهِ التي آتاهم إياها وهي تتجلَّى معجزاتٍ ما كان لهم أن يشهدوها لولا أنَّ سيدَنا موسى كان رسولَ اللهِ تعالى حقاً. ولكنَّ القومَ، وبعدَ كلِّ هذا الذي استيقنته أنفسُهم، لم يزدادوا إلا جحوداً بنعمةِ اللهِ وكفراً بمعجزاته؛ هذه الآياتُ المعجزات التي فصَّلها لنا قولُ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 20 من سورةِ المائدة: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِيَاءَ وَجَعَلَكُمْ مُلُوكًا وَآتَاكُمْ مَا لَمْ يُؤْتِ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِينَ).
وهذا هو ما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قَولِ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 211 البقرة أعلاه: (سَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ كَمْ آتَيْنَاهُمْ مِنْ آيَةٍ بَيِّنَةٍ وَمَنْ يُبَدِّلْ نِعْمَةَ اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَتْهُ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَاب). فقومُ سيدِنا موسى قد “بدَّلوا نعمةَ اللهِ كفراً” إذ جحدوا بالمعجزات التي كفلَ لهم أن يكونوا شهوداً عليها، ومن هذه المعجزات الآياتُ التِّسع التي آتاها اللهُ تعالى سيدَنا موسى من بعد أن أمرَه أن يذهبَ إلى فرعونَ الطاغية: (وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ فَاسْأَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (من 101 الإسراء)، (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِين) (12 النمل).
وكفرُ قومِ سيدِنا موسى بِنعمةِ الله، جحوداً منهم بآياتِه المعجزات، هو ما جرَّ عليهم من عقابِ اللهِ الذي أنزلَه بساحتِهم؛ هذا العقابُ الذي فصَّلَ لنا القرآنُ العظيم في أكثرِ من موطنٍ منه حيثياتِه. فلقد توعَّدَ اللهُ تعالى كلَّ مَن يُبدِّلُ نعمتَه كفراً بآياتِه وجحوداً بها من العذابِ ما يكفينا حتى نتبيَّنَ لمحةً منه أن نستذكرَ الآياتِ الكريمةَ 112- 115 من سورةِ المائدة: (إِذْ قَالَ الْحَوَارِيُّونَ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ أَنْ يُنَزِّلَ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ قَالَ اتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ. قَالُوا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْهَا وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنَا وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنَا وَنَكُونَ عَلَيْهَا مِنَ الشَّاهِدِينَ. قَالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنَا أَنْزِلْ عَلَيْنَا مَائِدَةً مِنَ السَّمَاءِ تَكُونُ لَنَا عِيدًا لِأَوَّلِنَا وَآخِرِنَا وَآيَةً مِنْكَ وَارْزُقْنَا وَأَنْتَ خَيرُ الرَّازِقِينَ. قَالَ اللَّهُ إِنِّي مُنَزِّلُهَا عَلَيْكُمْ فَمَنْ يَكْفُرْ بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذَابًا لَا أُعَذِّبُهُ أَحَدًا مِنَ الْعَالَمِين).

أضف تعليق