
نقرأُ في سورةِ النساء، وفي الآيةِ الكريمةِ 171 منها، قولَ اللهِ تعالى: (إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِنْهُ). فما هي هذه “الكلمةُ” التي ألقاها اللهُ تعالى إلى السيدةِ مريم والتي يُشيرُ إليها قولُه تعالى “وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى: (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) (91 الأنبياء). فهذه “الكلمةُ” إذاً هي “كُن فيكون”؛ كيف لا واللهُ تعالى قد بيَّنَ لنا في قرآنِه العظيم أنَّه قد خلقَ آدمَ أبا البشر بأن نفخَ فيه من روحِه: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِنْ رُوحِهِ) (من 9 السجدة)، (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (59 آل عمران). فاللهُ تعالى قد بيَّنَ لنا في قرآنِه العظيم أنَّه إذا ما أرادَ شيئاً فإنَّ الأمرَ لا يقتضي غيرَ أن يقولَ له “كُن فيكون”: (إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (82 يس).
فإذا كانت المرأةُ لا يمكنُ أن يكونَ لها ولدٌ إلا بأن يمسسها بشر، فإنَّ جسمها بمقدورِه أن يخرقَ قوانين الطبيعة بإذنِ اللهِ تعالى فيصبحَ لها ولدٌ من دونِ أن يمسسَها بشر. وهذا هو ما حدثَ لجسمِ السيدةِ مريم الذي أمرَه اللهُ تعالى أن يعملَ بما من شأنِه أن يصبحَ للسيدةِ مريم ولدٌ بإذنِ اللهِ من دونِ أن يمسسها بشر، وذلك بأن قالَ له “كُن فيكون”. إنَّ هذا الخلقَ الخارقَ لقوانينِ الطبيعة بقولِ اللهِ تعالى “كن فيكون” لَيذكِّرُ بخَلقٍ آخر كان هو الآخر خارقاً لقوانينِ الطبيعة يومَ خلقَ اللهُ تعالى أبا البشرِ آدم بأن قالَ له “كن فيكون”: (إِنَّ مَثَلَ عِيسَى عِنْدَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ خَلَقَهُ مِنْ تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُنْ فَيَكُون) (59 آل عمران).
