
القرآنُ العظيم يصدِّقُ بعضُه بعضاً ويشهدُ بعضُه لبعضٍ بأنَّه لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِنْدِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا) (82 النساء).
لنتدبَّر، على سبيلِ المثال، قَولَ اللهِ تعالى (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ وَلَا الَّذِينَ يَمُوتُونَ وَهُمْ كُفَّارٌ) (من 18 النساء). ألا يُذكِّرُنا قولُ اللهِ تعالى هذا بما أوردته سورةُ يونس: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ) (90- 91 يونس). فاللهُ تعالى ما كان ليقبلَ توبةً من فرعونَ الطاغية الذي جحدَ بآياتِه، التي أرسلَ بها إليه سيدَنا موسى، من بعدِ أن استيقنتها نفسُه الآثمةُ المجرمة: (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ. فَلَمَّا جَاءَتْهُمْ آيَاتُنَا مُبْصِرَةً قَالُوا هَذَا سِحْرٌ مُبِينٌ. وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ) (12- 14 النمل). أفلا يُذكِّرُنا ذلك بقولِ اللهِ تعالى: (يَوْمَ يَأْتِي بَعْضُ آيَاتِ رَبِّكَ لَا يَنْفَعُ نَفْسًا إِيمَانُهَا لَمْ تَكُنْ آمَنَتْ مِنْ قَبْلُ أَوْ كَسَبَتْ فِي إِيمَانِهَا خَيْرًا) (من 158 الأنعام).
فذاتُ المعنى تُعبِّرُ عنه آياتٌ كريمةٌ في سياقاتٍ قرآنيةٍ متعددة. وهذا إن دلَّ فإنَّما يدلُّ على استحالةِ أن يكونَ القرآنُ من عندِ غيرِ الله. وهذه “الوحدةُ الموضوعيةُ” بين ما تقدَّمَ من سياقاتٍ قرآنيةٍ ثلاث لَتُذكِّرُنا بالعِلةِ من وراءِ هذا الذي بيَّنه لنا اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم من أنَّه لن يتوبَ على مَن لم يؤمن به من قبل أن يُدركَه الموت أو يكسب من إيمانِه خيراً. فاللهُ تعالى أوجبَ الإيمانَ به، قَولاً وعملاً، وذلك حتى يتأتَّى للعبدِ أن يعلوَ فيرتقيَ من “أسفلِ سافلين” إلى ما كان عليه الإنسانُ من خِلقةِ “أحسن تقويم”.
