
من بين ما اختصَّ اللهُ تعالى به أنبياءَه الكرام المعجزاتُ التي فصَّلها لنا قرآنُه العظيم. وهذه المعجزاتُ هي آياتٌ من اللهِ تعالى ما استحقَّت هذه التسميةَ إلا لأنها تُعجِزُ الإنسانَ عن أن يأتيَ بمثلِها وعن أن يكونَ بمقدورِهِ أن يُعلِّلَ لها بما بين يدَيه من عِلمٍ بظاهرِ هذه الحياةِ الدنيا.
ومن المعجزاتِ ما أيَّدَ اللهُ تعالى به أنبياءَه المرسَلين شهادةً لهم منه بأنَّهم مُرسَلون من عندِه حقاً، كعصا سيدِنا موسى، وناقةِ سيدِنا صالح، وما أجراهُ اللهُ تعالى على يَدِ سيدِنا عيسى من خوارقِ العادات. ومنها ما منَّ اللهُ تعالى به على مَن يشاءُ من أنبيائِه فضلاً منه ورحمةً ونعمة. ولقد فصَّلت لنا سورةُ الأنبياء بعضاً من هذه المعجزاتِ:
فاللهُ تعالى نجَّى سيدَنا لوطاً من العذابِ الذي أنزلَه بساحةِ قومِه الطاغين المفسدين: (وَلُوطًا آتَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِلْمًا وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْقَرْيَةِ الَّتِي كَانَتْ تَعْمَلُ الْخَبَائِثَ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَاسِقِينَ. وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَا إِنَّهُ مِنَ الصَّالِحِينَ) (74-75 الأنبياء).
وسيدُنا لوط لم يكن بِدعاً من رسُلِ اللهِ الذين نجاهم اللهُ من العذابِ الذي أتى على مَن كذَّبهم وكادَ لهم. فاللهُ تعالى كان قد نجَّى سيدَنا نوحاً من الطوفانِ الذي أغرقَ به قومَه الظالمين: (وَنُوحًا إِذْ نَادَى مِنْ قَبْلُ فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَنَجَّيْنَاهُ وَأَهْلَهُ مِنَ الْكَرْبِ الْعَظِيمِ. وَنَصَرْنَاهُ مِنَ الْقَوْمِ الَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمَ سَوْءٍ فَأَغْرَقْنَاهُمْ أَجْمَعِينَ) (76- 77 الأنبياء).
ولقد منَّ اللهُ تعالى على سيدِنا داود إذ آتاهُ من عظيمِ فضلِه ما بوسعِنا أن نتبيَّنَ بعضاً منه بتدبُّرِ قولِه تعالى: (وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُدَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ. وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَكُمْ لِتُحْصِنَكُمْ مِنْ بَأْسِكُمْ فَهَلْ أَنْتُمْ شَاكِرُونَ) (من 79- 80 الأنبياء).
كما ومنَّ اللهُ تعالى على سيدِنا سليمان إذ اختصَّه بفضلٍ منه عظيم: (وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ عَاصِفَةً تَجْرِي بِأَمْرِهِ إِلَى الْأَرْضِ الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَكُنَّا بِكُلِّ شَيْءٍ عَالِمِينَ. وَمِنَ الشَّيَاطِينِ مَنْ يَغُوصُونَ لَهُ وَيَعْمَلُونَ عَمَلًا دُونَ ذَلِكَ وَكُنَّا لَهُمْ حَافِظِينَ) (81- 82 الأنبياء).
ومن المعجزاتِ التي جاءتنا بها سورةُ الأنبياءِ معجزةُ شفاءِ اللهِ تعالى لسيدِنا أيوب: (وَأَيُّوبَ إِذْ نَادَى رَبَّهُ أَنِّي مَسَّنِيَ الضُّرُّ وَأَنْتَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ فَكَشَفْنَا مَا بِهِ مِنْ ضُرٍّ وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُمْ مَعَهُمْ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَذِكْرَى لِلْعَابِدِينَ) (83- 84 الأنبياء).
ونقرأُ في سورةِ الأنبياءِ أيضاً نبأَ المعجزةِ التي تجلَّت بتنجيةِ اللهِ تعالى لسيدِنا يونس من كربِه العظيم: (وَذَا النُّونِ إِذْ ذَهَبَ مُغَاضِبًا فَظَنَّ أَنْ لَنْ نَقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (87- 88 الأنبياء).
ولقد فصَّلت لنا سورةُ الأنبياء معجزةَ سيدِنا زكريا التي تجلَّت باستجابةِ اللهِ تعالى له دعاءَه بأن تكونَ له ذريةٌ تخلفُه من بعدِه: (وَزَكَرِيَّا إِذْ نَادَى رَبَّهُ رَبِّ لَا تَذَرْنِي فَرْدًا وَأَنْتَ خَيْرُ الْوَارِثِينَ. فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَوَهَبْنَا لَهُ يَحْيَى وَأَصْلَحْنَا لَهُ زَوْجَهُ إِنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا وَكَانُوا لَنَا خَاشِعِينَ) (89- 90 الأنبياء).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ المعجزاتِ ليست كلُّها سواء، وأنَّ من هذه المعجزاتِ ما يتجلَّى لمن يشاءُ اللهُ تعالى أن يختصَّه برحمتِه فضلاً منه ونعمة وإن لم يكن هناك من أحدٍ بمعيته يشهدُها بأُّمِّ عينِه: (قُلْ إِنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ. يَخْتَصُّ بِرَحْمَتِهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ) (من 73- 74 آل عِمران).
