
وعدَ اللهُ تعالى عبادَه المخلَصين بما بوسعِنا أن نتبيَّنَ شيئاً منه بتدبُّرِ قولِه تعالى: (يُطَافُ عَلَيْهِمْ بِكَأْسٍ مِنْ مَعِينٍ. بَيْضَاءَ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ) (45- 46 الصافات). فما هو معنى كلمةِ “بَيْضَاء” في قولِ اللهِ تعالى هذا؟
يتكفَّلُ بتبيُّنِ الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ قولَ اللهِ تعالى: (وَاضْمُمْ يَدَكَ إِلَى جَنَاحِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ آيَةً أُخْرَى) (22 طه)، (وَأَدْخِلْ يَدَكَ فِي جَيْبِكَ تَخْرُجْ بَيْضَاءَ مِنْ غَيْرِ سُوءٍ فِي تِسْعِ آيَاتٍ إِلَى فِرْعَوْنَ وَقَوْمِهِ إِنَّهُمْ كَانُوا قَوْمًا فَاسِقِينَ) (12 النمل). فكلمةُ “بيضاء” إذاً هنا لا علاقةَ لها باللونِ الأبيضِ. فيدُ سيدِنا موسى كان قد أصابَها، وهو بعدُ طفلٌ صغير، ما جعلَ الناظرَ إليها يستاءُ لمرآها الذي نجمَ عن إمساكِ سيدِنا موسى بالجمرة التي كان قد امتحنَه بها فرعونُ الطاغية. فكانَ أن شفا اللهُ تعالى يدَ سيدِنا موسى فجعلَها سليمةً مبرَّأةً من كلِّ ضررٍ وأذىً. وبذلك يكونُ اللهُ تعالى قد صيَّرَ يدَ سيدِنا موسى، بهذا التدخُّلِ اللحَظي من لدنه، بيضاءَ كما لو أن تلك الجمرةَ لم تمسسها بنارِها.
وبذلك تكونُ الكأسُ التي سيسقيها اللهُ تعالى عبادَه المخلَصين “بَيْضَاءَ” لا ينجمُ عن الشربِ منها أيُّ سوء، وذلك بالمقارنةِ مع خمرِ الحياةِ الدنيا التي لا ينجمُ عنها إلا كلُّ سوء.
