برهانُ العزيز وقميصُ يوسفَ العزيز

“فوقَ كلِّ ذي عِلمٍ عليمٌ” لولاه ما كان ليُصبِحَ ذا عِلم: (وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ) (من 68 يوسف)، (وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ) (من 76 يوسف). فسيدُنا يوسف ما كان ليعلمَ باقترابِ العزيز “الَّذِي اشْتَرَاهُ مِنْ مِصْر” من أن يلِجَ الغرفةَ التي جمعته وامرأةَ العزيز لولا أنَّ اللهَ تعالى أعلمَه بذلك. فاللهُ تعالى هو الذي أرى سيدَنا يوسفَ “بُرهانَ رَبِّه” فعلِمَ بأنَّه موشكٌ على أن يراه في ذلك الموقفِ العصيب: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ) (23- 24 يوسف).
وهذا الذي “تجلَّى” لسيدِنا يوسفَ، برؤيتِه للعزيزِ وهو يكادُ يوشكُ على أن يدخلَ الغرفةَ، ليُذكِّرُنا بما “تجلَّى” لسيدِنا يعقوبَ، إذ أعلمَه اللهُ تعالى بقربِ قدومِ سيدِنا يوسف، وذلك بتمكينِه من شمِّ رائحتِه التي حملَها قميصُه الذي كان قد بعثَ به من مصرَ إليه: (اذْهَبُوا بِقَمِيصِي هَذَا فَأَلْقُوهُ عَلَى وَجْهِ أَبِي يَأْتِ بَصِيرًا وَأْتُونِي بِأَهْلِكُمْ أَجْمَعِينَ. وَلَمَّا فَصَلَتِ الْعِيرُ قَالَ أَبُوهُمْ إِنِّي لَأَجِدُ رِيحَ يُوسُفَ لَوْلَا أَنْ تُفَنِّدُونِ. قَالُوا تَاللَّهِ إِنَّكَ لَفِي ضَلَالِكَ الْقَدِيمِ. فَلَمَّا أَنْ جَاءَ الْبَشِيرُ أَلْقَاهُ عَلَى وَجْهِهِ فَارْتَدَّ بَصِيرًا قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ مِنَ اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُونَ) (93- 96 يوسف).
وتكشفُ لنا سورةُ يوسف النقابَ عن علمٍ هو ليس كغيرِه من العلوم، وذلك لأنَّه علمٌ لا يُكتسَبُ كما يُكتسَبُ غيرُه من العلوم: (وَقَالَ يَا بَنِيَّ لَا تَدْخُلُوا مِنْ بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُلُوا مِنْ أَبْوَابٍ مُتَفَرِّقَةٍ وَمَا أُغْنِي عَنْكُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَعَلَيْهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُتَوَكِّلُونَ. وَلَمَّا دَخَلُوا مِنْ حَيْثُ أَمَرَهُمْ أَبُوهُمْ مَا كَانَ يُغْنِي عَنْهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْقُوبَ قَضَاهَا وَإِنَّهُ لَذُو عِلْمٍ لِمَا عَلَّمْنَاهُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُون) (67- 68 يوسف).
وهذا العِلمُ يختصُّ اللهُ تعالى به مَن يشاءُ من عبادِه، وهو لذلك ليس متاحاً ولا مباحاً إلا لمَن يشاءُ اللهُ تعالى له أن يحظى بشيءٍ منه: (وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ) (من 255 البقرة).

أضف تعليق