فضلُ اللهِ إذ يفيضُ على مَن كانَ أحقَّ بهِ وأهلَه… سحرةُ فرعونَ مثالاً

أرسلَ اللهُ تعالى سيدَنا موسى إلى فرعونَ ليطلبَ منه أن يرسلَ معه بني إسرائيل الذين كان هذا الطاغيةُ يستعبدُهم ويسومُهم سوءَ العذاب:
1- (وَقَالَ مُوسَى يَا فِرْعَوْنُ إِنِّي رَسُولٌ مِنْ رَبِّ الْعَالَمِينَ. حَقِيقٌ عَلَى أَنْ لَا أَقُولَ عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ قَدْ جِئْتُكُمْ بِبَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَرْسِلْ مَعِيَ بَنِي إِسْرَائِيلَ) (104- 105 الأعراف).
2- (وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءَهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ. أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللَّهِ إِنِّي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ) (17- 18 الدُّخان).
3- (فَأْتِيَاهُ فَقُولَا إِنَّا رَسُولَا رَبِّكَ فَأَرْسِلْ مَعَنَا بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَا تُعَذِّبْهُمْ قَدْ جِئْنَاكَ بِآيَةٍ مِنْ رَبِّكَ وَالسَّلَامُ عَلَى مَنِ اتَّبَعَ الْهُدَى) (47 طه).
فما هي هذه “الآيةُ البينة” التي جاء بها سيدُنا موسى فرعونَ الطاغية بإذن الله؟
يُجيبُنا على ذلك قولُ اللهِ تعالى:
1- (وَأَوْحَيْنَا إِلَى مُوسَى أَنْ أَلْقِ عَصَاكَ فَإِذَا هِيَ تَلْقَفُ مَا يَأْفِكُونَ) (117 الأعراف).
2- (وَأَلْقِ مَا فِي يَمِينِكَ تَلْقَفْ مَا صَنَعُوا إِنَّمَا صَنَعُوا كَيْدُ سَاحِرٍ وَلَا يُفْلِحُ السَّاحِرُ حَيْثُ أَتَى) (69 الأنبياء).
وهنا انقسمَ مَن شهدَ تلك المعجزةَ الجليلةَ فرقتَين؛ فرقةٌ أيقنت أنَّ هذا الذي حدثَ، فجعلَ العصا تستحيلُ أفعى تبتلعُ حِبالَ السحرةِ وعِصيَّهم، لا يمكنُ إلا أن يكونَ شهادةً من اللهِ بِصدقِ ما جاءَ به سيدُنا موسى: (فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. فَغُلِبُوا هُنَالِكَ وَانْقَلَبُوا صَاغِرِينَ. وَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ سَاجِدِينَ. قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ. رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ) (118- 122 الأعراف).
وفرقةٌ مثَّلها السوادُ الأعظمُ من حضورِ تلك الواقعةِ الجليلة تزعَّمها فرعونُ الطاغية: (قَالَ فِرْعَوْنُ آمَنْتُمْ بِهِ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّ هَذَا لَمَكْرٌ مَكَرْتُمُوهُ فِي الْمَدِينَةِ لِتُخْرِجُوا مِنْهَا أَهْلَهَا) (من 123 الأعراف)، (وَقَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ) (من 127 الأعراف). فالسحرةُ إذ آمنوا “بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ”، فإنهم ما فعلوا إلا ما كان ليفعلَه كلُّ من كان له حظٌّ من عقلٍ سليم أيقنَ بألا قدرةَ له على أن يعلِّلَ لما رآه ولا هو بقادرٍ على أن يأتيَ بمثلِه. فإيمانُ السحرةِ “بِرَبِّ الْعَالَمِينَ رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ” إذاً هو “خيرٌ جانبي” (collateral good) نجمَ عن انصياعِ سيدِنا موسى لأمرِ اللهِ له بأن يذهبَ إلى فرعونَ الطاغية ليطلبَ منه أن يُرسِلَ معه بَني إسرائيل.
ولذلك فلا يجوزُ التذرُّعُ بإيمانِ السحرةِ حجةً للتعريفِ بالرسالةِ التي حملَها سيدُنا موسى إلى فرعونَ الطاغية بغيرِ المفرداتِ التي فصَّلها لنا وبيَّنها قرآنُ اللهِ العظيم. فاللهُ تعالى ما أرسلَ سيدَنا موسى إلا ليُبيِّنَ لقومِه من بَني إسرائيل سبيلَ الرشاد فيؤمنُ من آمن ويكفرُ مَن يكفر، والأمرُ لله تعالى من قبلُ ومن بعد.

أضف تعليق