مأوى الشهداءِ في الحياةِ الدنيا

من حقائقِ هذا الوجود، التي ما كنا لنحيطَ بها عِلماً لولا قرآنُ اللهِ العظيم، أنَّ الشهداءَ ليسوا أمواتاً ولكنهم أحياءٌ يُرزَقون: (وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتٌ بَلْ أَحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُون) (154 البقرة).
ويُخطِئُ كلُّ مَن يتوهَّمُ أنَّ حياةَ الشهداءِ في هذا العالَم هي “حياةٌ روحية” في بُعدٍ آخرَ من أبعادِ عالَمِنا هذا! فظنٌّ كهذا يفنِّدُ تدبُّرُ قولِ اللهِ تعالى: (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا بَلْ أَحْيَاءٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ) (169 آل عمران). فالشهداء هم إذاً عند اللهِ تعالى “أحياءٌ يُرزَقون”. والرزقُ هنا هو ما يُديمُ اللهُ تعالى به عليهم حياتَهم من مشربٍ ومأكل. ومأوى الشهداءِ في هذه الحياةِ الدنيا قد بيَّنَه قولُ اللهِ تعالى “عِنْدَ رَبِّهِمْ” في هذه الآيةِ الكريمة. وهذا هو عينُ ما بوسعنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (وَالشُّهَدَاءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ) (من 19 الحديد).
وهذا الذي يُشيرُ إليهِ قولُ اللهِ تعالى “عِنْدَ رَبِّهِمْ” قد عرَّفه اللهُ تعالى لنا في الآياتِ الكريمة 13- 15 سورةِ النجم: (وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى). و”جنةُ المأوى” هي الجنةُ التي عُرِجَ بسيدِنا محمد صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم إليها ليلةَ الإسراء والمعراج الشريفين، وهي جنةُ السماءِ السابعة التي يتعبَّدُ للهِ تعالى فيها ملائكتُه المقرَّبون.
فالشهداءُ إذاً يؤويهم اللهُ تعالى في جنتِه التي هي أقربُ السماواتِ السبع إلى عرشِه، وهم فيها أحياءٌ يُرزَقون من خيراتِها ويُسقون ويُطعمون من مشربِها ومأكلِها.

أضف تعليق