
خلقَ اللهُ تعالى السمواتِ والأرضَ في ستةِ أيام: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) (من 54 الأعراف). ويكشفُ لنا قولُ اللهِ تعالى هذا النقابَ عن حقيقةٍ من حقائقِ الوجود لابد من أن نقدِرَها حقَّ قدرِها حتى يتأتَّى لنا أن نتبيَّنَ نسبةَ الوقائعِ التي تحدثُ في هذا الوجود بقولِ اللهِ تعالى لها “كُن فيكون” إلى تلك التي تحدثُ فيه مسبَّبةً بما سبقَ وأن بثَّه اللهُ تعالى فيه من أسبابٍ وقوانين. فاللهُ تعالى كان بمقدورِه أن يخلقَ السمواتِ والأرضَ بلمحِ البصر وذلك بأن يقولَ لهما “كُن فيكون”، ولكنه شاءَ أن يخلقَهما في ستةِ أيام لحكمةٍ هو أعلمُ بها.
فكان أن بدأ اللهُ تعالى خلقَ السمواتِ والأرض بقولِ “كُن فيكون”، ففتقهما عن بعضٍ من بعد أن كانتا رَتقاً: (أَوَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ كَانَتَا رَتْقًا فَفَتَقْنَاهُمَا) (من 30 الأنبياء). ثم كان أن سلَّطَ اللهُ تعالى على السمواتِ والأرضِ قوانينَ وأسباباً كفَّلها ما يُأمِّن حدوثَ كلِّ ما يحدثُ فيهما من وقائعَ وأحداثٍ إلا تلك التي شاءت إرادتُه أن تحدثَ بقولِه لها “كُن فيكون”.
ويكفلُ لنا تدبُّرُ القرآنِ العظيم أن نتبيَّنَ هذا الذي تتمايزُ به وقائعُ وأحداثُ “كن فيكون” عن تلك التي يقفُ من وراءِ حدوثِها ما سبقَ وأن بثَّه اللهُ تعالى في السمواتِ والأرضِ من أسبابٍ وقوانين. لنتدبَّر الآياتِ الكريمةَ التالية:
1- (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ) (27 المؤمنون).
