في معنى قَولِ اللهِ تعالى “إِلَّا مِن بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ”

نقرأُ في سورةِ آل عِمران، وفي الآيةِ الكريمةِ 19 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ).
يُعينُنا تدبُّرُ هذه الآيةِ الكريمة على تبيُّنِ العلةِ من وراءِ اختلافِ بَني آدمَ، ومنهم أهلُ الكتاب، فيما بينهم وإلى الحدِّ الذي أفضى بهم إلى التشرذُمِ والتشتُّتِ شراذمَ أشتاتاً. فاللهُ تعالى ما كان ليذرَ الإنسانَ يطيبُ له عيشٌ في ظلِّ ما تُوهِمُه به نفسُه ويُزيِّنُه له هواه، فكان أن سلَّطَ عليه من ضروبِ الابتلاءِ وفنونِ الفِتَنِ ما هو كفيلٌ بأن يضطرَّه لمواجهةِ الوجهِ الحقيقي لنفسِه:
1- (أَحَسِبَ النَّاسُ أَنْ يُتْرَكُوا أَنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ. وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ) (2- 3 العنكبوت).
2- (مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أَنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ) (من 179 آل عمران).
3- (وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ) (من 154 آل عمران).
ولذلك أنزلَ اللهُ تعالى “العِلمَ” توراةً وزبوراً وإنجيلاً وقرآناً. فاللهُ تعالى ابتلى بهذا “العِلمِ” القومَ الذين أنزلَه عليهم فتمايزت جراءَ ذلك الأنفسُ وتناشزت القلوبُ ما بين مؤمنٍ صادقِ الإيمانِ ومنافقٍ يُظهِرُ ما ليس في قلبِه. ولولا هذا “العِلمُ” ما كان ليمتازَ الخبيثُ من الطيب: (لِيَمِيزَ اللَّهُ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ وَيَجْعَلَ الْخَبِيثَ بَعْضَهُ عَلَى بَعْضٍ فَيَرْكُمَهُ جَمِيعًا فَيَجْعَلَهُ فِي جَهَنَّمَ أُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ) (37 الأنفال).
وهذا الذي حبا اللهُ تعالى به “العِلمَ” المنزَّلَ من لدنه، توراةً وزبوراً وإنجيلاً وقرآناً، من قدرةٍ على جعلِ القومِ يتمايزون فيما بينهم مؤمنين صادقين ومنافقين فاسقين هو ما تؤكِّدُه وتشدُّدُ عليه الآيتانِ الكريمتان:
1- (شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَنْ يُنِيبُ. وَمَا تَفَرَّقُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَلَوْلَا كَلِمَةٌ سَبَقَتْ مِنْ رَبِّكَ إِلَى أَجَلٍ مُسَمًّى لَقُضِيَ بَيْنَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ) (13- 14 الشورى).
2- (وَآتَيْنَاهُمْ بَيِّنَاتٍ مِنَ الْأَمْرِ فَمَا اخْتَلَفُوا إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ إِنَّ رَبَّكَ يَقْضِي بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فِيمَا كَانُوا فِيهِ يَخْتَلِفُونَ) (17 الجاثية).

أضف تعليق