كيف تمكَّنَ رسولُ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلم من رؤيةِ الآخرةِ ليلةَ الإسراءِ والمعراج؟

صحَّ عن رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم قولُه إنَّه رأى ليلةَ الإسراءِ والمعراجِ الشريفَين أقواماً يُعذَّبون في نارِ جهنم وأناساً يُنعَّمون في الجنة. ولقد خالجَ البعضَ وهمٌ مفادُه أنَّ رؤيةَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وسلَّم هذه يلزمُ عنها وجوبُ أن تكونَ الجنةُ والنار مخلوقتَين في هذه الحياةِ الدنيا. وهذا ظنٌّ يتعارضُ القولُ به مع ما تواترَ ورودُه في قرآنِ اللهِ العظيم من أنَّ الآخرةَ لما تُخلَق بعد، وأنَّ اللهَ تعالى سيخلقُها يومَ القيامة بقولِه لها “كُن فيكون”: (وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ قَوْلُهُ الْحَقُّ وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ عَالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ) (73 الأنعام)، (يَوْمَ تُبَدَّلُ الْأَرْضُ غَيْرَ الْأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُوا لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ) (48 إبراهيم)، (يَوْمَ نَطْوِي السَّمَاءَ كَطَيِّ السِّجِلِّ لِلْكُتُبِ كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ وَعْدًا عَلَيْنَا إِنَّا كُنَّا فَاعِلِينَ) (104 الأنبياء).
فإذا كانت الآخرةُ لن تُخلَقَ إلا يومَ القيامة، فكيف تأتَّى لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم أن يصفَ للناسِ بعضاً مما رآهُ ليلةَ الإسراءِ والمعراج من عذابِها ونعيمِها؟
يُعينُ على الإجابةِ على هذا السؤال أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادُها أنَّ اللهَ تعالى علَّمَ رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من علومِ الدنيا والآخرة ما لم يعلِّمه أحداً غيرَه من العالَمين. وتُنبئنا سورةُ النجم بما يُعينُ على الجزمِ بأنَّ اللهَ تعالى قد أرى رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم ليلةَ الإسراءِ والمعراج من وقائعِ الآخرة ما مكَّنه من أن يحدِّثَ الناسَ بما ينتظرُ الكافرين والمنافقين في جهنمَ من العذاب وما أعدَّه للذين آمنوا وعملوا الصالحات في الجنةِ من نعيم: (فَأَوْحَى إِلَى عَبْدِهِ مَا أَوْحَى. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَى. أَفَتُمَارُونَهُ عَلَى مَا يَرَى. وَلَقَدْ رَآهُ نَزْلَةً أُخْرَى. عِنْدَ سِدْرَةِ الْمُنْتَهَى. عِنْدَهَا جَنَّةُ الْمَأْوَى. إِذْ يَغْشَى السِّدْرَةَ مَا يَغْشَى. مَا زَاغَ الْبَصَرُ وَمَا طَغَى. لَقَدْ رَأَى مِنْ آيَاتِ رَبِّهِ الْكُبْرَى) (10- 18 النجم).
فالآخرةُ وإن كانت لم تُخلَق بعد، فإنَّ اللهَ تعالى لا يُعجِزُه أن يُرِيَها رسولَه الكريم صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم.

أضف تعليق