مَن هُم الذين توجَّهَ اللهُ تعالى إليهم بقولِه “فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى”؟

نقرأُ في سورةِ طه، وفي الآياتِ الكريمةِ 121- 124 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (فَأَكَلَا مِنْهَا فَبَدَتْ لَهُمَا سَوْآتُهُمَا وَطَفِقَا يَخْصِفَانِ عَلَيْهِمَا مِنْ وَرَقِ الْجَنَّةِ وَعَصَى آدَمُ رَبَّهُ فَغَوَى. ثُمَّ اجْتَبَاهُ رَبُّهُ فَتَابَ عَلَيْهِ وَهَدَى. قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى. وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى). فمَن هُم الذين توجَّه اللهُ تعالى إليهم بِقولِه “فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى”؟
لا يحتاجُ تبيُّنُ الإجابةِ على هذا السؤال غيرَ أن نتدبَّرَ قَولَ اللهِ تعالى هذا في سياقِه الذي تُجلِّيه لنا الآياتُ الكريمةُ أعلاه. فاللهُ تعالى توجَّهَ بخطابِه هذا إلى بَني آدمَ الذين هُم ذريةُ آدمَ وزوجِه والذين سيتعيَّنُ عليهم من بعدِ هذا الذي أصابَ أبوَيهم، جراءَ أكلهما من الشجرة التي لم يلمسا منه حينَها غيرَ ما نجمَ عنه من عَريٍ دفعَهما إلى أن يخصفا عليهما من ورقِ الجنة، أن يتَّبعَ كلُّ واحدٍ منهم هَديَ اللهِ تعالى حتى ينجوَ من شقاءِ الدنيا وعذابِ الآخرة: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآيَاتِنَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) (38- 39 البقرة).
فبَنو آدمَ إذاً هم المخاطبون كلُّهم جميعاً بخطابِ اللهِ “فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى”. ويُخطِئُ كلُّ مَن يتوهَّمُ أنَّ أحداً آخر، كإبليسَ مثلاً، مشمولٌ أيضاً بهذا الخطاب! فالأمرُ لا علاقةَ له به أما وأنَّه قد أُخرِجَ من الجنة وأُهبِطَ إلى الأرض منفياً ملعوناً إلى يومِ الدين: (قَالَ فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ. وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ) (77- 78 ص).
ويؤكِّدُ هذا الأمرَ ما يُبيِّنُه لنا تدبُّرُ قولِ اللهِ تعالى في الآيتَين الكريمتَين 35- 36 من سورةِ الأعراف: (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَى وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ. وَالَّذِينَ كَذَّبُوا بِآيَاتِنَا وَاسْتَكْبَرُوا عَنْهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُون). فمتى سنُغلِّبُ ما يقتضيه منا تدبُّرُ القرآن من اتِّباعٍ لِهَديِه القويم على ما تأمرُنا به أنفسُنا وهي لا تأمرُ إلا بالسوءِ، إلا ما رحمَ ربي؟!

أضف تعليق