
نقرأُ في سورةِ النحل، وفي الآيةِ الكريمة 90 منها، قولَ اللهِ تعالى (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ). فإذا كان العدلُ غنياً عن التعريف، فإنَّ الإحسانَ أبعدُ ما يكونُ عن ذلك. ولأنَّ الإحسانَ كذلك، فالأمرُ يقتضي منا إذاً وجوبَ أن نتدبَّرَ ما جاءنا قرآنُ اللهِ العظيم بشأنِه. فاللهُ تعالى قد امتدحَ الإحسانَ في قرآنِه العظيم بقولِه: (هَلْ جَزَاءُ الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ) (60 الرحمن). كيف لا واللهُ تعالى قد جعلَ جزاءَ الإحسانِ الخلودَ في جناتِ النعيم؟
ولقد وصفَ اللهُ تعالى عبادَه الذين ارتقى بهم حالُهم معه حتى بلغوا مقامَ الإحسان بـ “المحسنين”. والمحسنون هم طائفةٌ من بني آدم آثروا الانتصارَ للهِ على أنفسِهم على أن ينتصروا لها عليه. فالمحسنُ هو من اجتهد لئلا يجعلَ لنفسِه سلطاناً عليه يضطرُّه إلى الانصياعِ لكلِّ ما تأمرُه به. والمحسنُ لا تجعلُه سَورةُ الغضب يتعدَّى “حدودَ الله” فيسارعَ إلى التعرُّضِ لحُرُماتِ الله. فالمحسنُ لا يستعملُ إجازةَ الشَّرع فيما كفلَه له الشرعُ من عقوبةٍ بحقِّ مَن جارَ عليه. وما ذلك إلا لأنَّه يبتغي جراءَ صبرِه على مَن آذاه، واحتسابِه ذلك عند الله، ما وعدَه به قرآنُ الله من حبٍّ من الله لا يحظى به إلا كلُّ مَن كان صباراً ذا حظٍّ عظيم: (وَالْكَاظِمِينَ الْغَيْظَ وَالْعَافِينَ عَنِ النَّاسِ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (134 آل عمران).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ اللهَ تعالى ما أتبعَ الإحسانَ بالعدل إلا لأنه يريدُ من عبادِه أن يُغلِّبوه على ما أُحضرَته الأنفسُ من نزوعٍ إلى الثأرِ وتوقٍ للانتقام. فالدرجاتُ العُلا لا ينالُها مَن كان أسيرَ النفسِ والهوى. وهنا لابد من أن نستذكرَ مقولةَ ابنِ عطاءِ اللهِ السكندري: “كيفَ تُخرَقُ لك العوائدُ وأنت لم تخرق من نفسِك العوائد؟”.
