
نقرأُ في سورةِ آل عِمران، وفي الآيتَين الكريمتَين 72- 73 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وَقَالَتْ طَائِفَةٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُوا بِالَّذِي أُنْزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُوا آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ. وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ). فما هو معنى “وَلَا تُؤْمِنُوا إِلَّا لِمَنْ تَبِعَ دِينَكُمْ” في قَولِ اللهِ تعالى هذا؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ “السياقَ التاريخي” لنزولِ هذه الآيةِ الكريمة. فالمدينةُ المنورة كانت إبانَ ذلك السياق تعجُّ بطوائفَ من أهلِ الكتابِ شتَّى. ومن بينِ هؤلاء كانت هناك طائفةٌ من أهلِ التوراة أبت أن تُذعِنَ لأمرِ الله فناصبت رسولَ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليهِ وسلَّم العداءَ ظلماً وطغياناً وبغياً وعدواناً وحسداً أن يؤتى أحدٌ غيرَهم ما أُوتيه رسولُ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم من عظيمِ فضلِ الله:
1- (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ) (من 109 البقرة).
2- (قُلْ إِنَّ الْهُدَى هُدَى اللَّهِ أَنْ يُؤْتَى أَحَدٌ مِثْلَ مَا أُوتِيتُمْ أَوْ يُحَاجُّوكُمْ عِنْدَ رَبِّكُمْ) (من 73 آل عمران).
ولقد دحضَ اللهُ تعالى حُجَجَ هذه الطائفةِ من أهلِ الكتاب من مُعاصري رسولِ الله صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم في مواطنَ قرآنيةٍ عِدة، ومن هذه المواطن الجليلة:
1- (لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيم) (29 الحديد).
2- (عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ. وَمَا جَعَلْنَا أَصْحَابَ النَّارِ إِلَّا مَلَائِكَةً وَمَا جَعَلْنَا عِدَّتَهُمْ إِلَّا فِتْنَةً لِلَّذِينَ كَفَرُوا لِيَسْتَيْقِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَيَزْدَادَ الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا وَلَا يَرْتَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ وَالْمُؤْمِنُونَ وَلِيَقُولَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْكَافِرُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهَذَا مَثَلًا كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ يَشَاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشَاءُ وَمَا يَعْلَمُ جُنُودَ رَبِّكَ إِلَّا هُوَ وَمَا هِيَ إِلَّا ذِكْرَى لِلْبَشَرِ) (30- 31 المدثر).
