
نقرأُ في سورةِ يوسف، وفي الآيتَين الكريمتَين 23- 24 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَرَاوَدَتْهُ الَّتِي هُوَ فِي بَيْتِهَا عَنْ نَفْسِهِ وَغَلَّقَتِ الْأَبْوَابَ وَقَالَتْ هَيْتَ لَكَ قَالَ مَعَاذَ اللَّهِ إِنَّهُ رَبِّي أَحْسَنَ مَثْوَايَ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الظَّالِمُونَ. وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ إِنَّهُ مِنْ عِبَادِنَا الْمُخْلَصِينَ). فما هو معنى معنى “السُّوء وَالْفَحْشَاء” في قَولِ اللهِ تعالى “كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ”؟
كلمةُ “الفحشاء” في القرآنِ العظيم وردت بمعانٍ عِدة. وبالإمكانِ تبيُّنُ المعنى الذي وردت به كلمةُ “الفحشاء” في قولِ اللهِ تعالى “كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ”، في الآيةِ الكريمة 24 من سورةِ يوسف أعلاه، بتدبّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (يَا أَيُّهَا النَّاسُ كُلُوا مِمَّا فِي الْأَرْضِ حَلَالًا طَيِّبًا وَلَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ. إِنَّمَا يَأْمُرُكُمْ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ وَأَنْ تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون) (168- 169 البقرة).
2- (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ وَاللَّهُ يَعِدُكُمْ مَغْفِرَةً مِنْهُ وَفَضْلًا وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ) (268 البقرة).
3- (إِنَّا جَعَلْنَا الشَّيَاطِينَ أَوْلِيَاءَ لِلَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ. وَإِذَا فَعَلُوا فَاحِشَةً قَالُوا وَجَدْنَا عَلَيْهَا آبَاءَنَا وَاللَّهُ أَمَرَنَا بِهَا قُلْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ أَتَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ مَا لَا تَعْلَمُون) (من 27- 28 الأعراف).
4- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإِنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (من 21 النور).
5- (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَى وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) (90 النحل).
6- (إِنَّ الصَّلَاةَ تَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ) (من 45 العنكبوت).
فكلمةُ “الفحشاء” في هذه الآياتِ الكريمة تشيرُ إلى “كلِّ تعدٍّ لحدودِ اللهِ تعالى التي فرضها في قرآنِه العظيم ليتبيَّنَ الحدُّ الفاصلُ بين حلالِ اللهِ وحرامِه، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بالعلاقاتِ الجنسية بين بَني آدم”. ومعنى كلمة “الفحشاء” في هذه الآياتِ الكريمة هو المعنى الذي تنطوي عليه كلمةُ “الفحشاء” في قولِ اللهِ تعالى (كَذَلِكَ لِنَصْرِفَ عَنْهُ السُّوءَ وَالْفَحْشَاءَ) في الآيةِ الكريمة 24 من سورةِ يوسف أعلاه.
وبذلك يتبيَّنُ لنا أنَّ معنى “هَمَّ بِهَا ” في قولِ اللهِ تعالى (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا) في ذاتِ الآيةِ الكريمة 24 من سورةِ يوسف أعلاه لا علاقةَ له بما ذهبَ إليه كثيرٌ من المفسرين من أنه يشيرُ إلى شروعِ سيدِنا يوسف بإيذاءِ امرأةِ العزيز للحيلولةِ بينها وبين مرادِها منه.
