في معنى قَولِ اللهِ تعالى “وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا”

نقرأُ في سورةِ الحديد، وفي الآيةِ الكريمةِ 27 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (ثُمَّ قَفَّيْنَا عَلَى آثَارِهِمْ بِرُسُلِنَا وَقَفَّيْنَا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْنَاهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنَا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ). فما هي حقيقةُ “الرهبانية” التي تُشيرُ إليها هذه الآيةُ الكريمة؟
يكفلُ لنا تدبُّرُ السياقِ الذي وردت فيه كلمة “رهبانية” أن نتبيَّنَ “أصلَها الإلهي” الذي لم يرعَه كثيرٌ من الذين اتَّبعوا سيدَنا عيسى عليه السلام. فالرهبانيةُ التي كتبَها اللهُ تعالى على الذين اتَّبعوا سيدَنا عيسى عليه السلام قد جعلَها اللهُ تعالى مشروطةً بألا يبتغي مَن يرومُ أن يسلكَ منهجَها مرضاةَ أحدٍ من الخَلقِ كائناً مَن كان. غيرَ أنَّ القومَ ابتدعوا هذه الرهبانيةَ، فأحدثوا فيها ما لم يُنزِّله اللهُ تعالى، فعادَ عليهم ذلك بما جعلَهم يفرِّطون فيها وإلى الحدِّ الذي جعلهم لا يرعونها حقَّ رعايتِها التي أمرَهم اللهُ تعالى بها، فاستحالت الرهبانيةُ “شيئاً آخر” غيرَ تلك التي أنزلَها اللهُ تعالى. غيرَ أنَّ هذه الآيةَ الكريمة تُخبرُنا بأنَّ القومَ لم يكونوا كلُّهم سواء، فبينما آثرت الكثرةُ منهم “الابتداع”، التزمت ثلةٌ منهم بالرهبانيةِ كما كتبَها عليهم اللهُ تعالى: (فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فَاسِقُونَ).

أضف تعليق