لماذا كان سيدُنا يوسفُ أهلاً لعظيمِ فضلِ اللهِ تعالى عليه؟… علاقتُهُ بإخوتِهِ مثالاً

نقرأُ في القرآنِ العظيم أنَّ إخوةَ سيدِنا يوسف كادوا له كيداً طوَّعت لهم أنفسُهم بمقتضاه أن يقتلوه أو أن يغيِّبوه في غَيابةِ البئر: (لَقَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَإِخْوَتِهِ آيَاتٌ لِلسَّائِلِينَ. إِذْ قَالُوا لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا وَنَحْنُ عُصْبَةٌ إِنَّ أَبَانَا لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ. اقْتُلُوا يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضًا يَخْلُ لَكُمْ وَجْهُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُوا مِنْ بَعْدِهِ قَوْمًا صَالِحِينَ. قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ لَا تَقْتُلُوا يُوسُفَ وَأَلْقُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَلْتَقِطْهُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِنْ كُنْتُمْ فَاعِلِينَ) (7- 10 يوسف).
ولم يكتفِ إخوةُ سيدِنا يوسف بذلك، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ قولِ اللهِ تعالى: (قَالُوا إِنْ يَسْرِقْ فَقَدْ سَرَقَ أَخٌ لَهُ مِنْ قَبْلُ فَأَسَرَّهَا يُوسُفُ فِي نَفْسِهِ وَلَمْ يُبْدِهَا لَهُمْ قَالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكَانًا وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا تَصِفُون) (77 يوسف). فإخوةُ سيدِنا يوسف لم يكونوا مضطرين إلى قولِ ما قالوه في سيدِنا يوسف، وذلك من بعدِ أن استخُرجَت السِّقايةُ من رَحلِ أخيهم الأصغر. فقولٌ كهذا بظهرِ الغيبِ في حقِّ أخيهم يوسف لم يكن ليصدرَ إلا عن قومٍ تمكنت منهم أنفسُهم حتى سوَّلت لهم كيلَ هذا الاتِّهامِ له وهم يعلمونَ أنَّه من زعمهم هذا براء.
لنقارن، وبالمقابل، ما كان من أمرِ سيدِنا يوسف مع إخوتِه من بعدِما تبيَّنَ لهم كيف أنَّ اللهَ تعالى قد آثرَه عليهم فآتاهُ من المُلكِ ما لم يكن ليخطرَ لهم على بال: (قَالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنَا وَإِنْ كُنَّا لَخَاطِئِينَ. قَالَ لَا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ) (91- 92 يوسف). ليس هذا فحسب، إذ أنَّ سيدَنا يوسف لم يشكُ لأبيه فِعلةَ إخوتِه، بل نفى عنهم الأمرَ إذ أرجعَه إلى نزغِ الشيطانِ بينه وبينهم: (وَرَفَعَ أَبَوَيْهِ عَلَى الْعَرْشِ وَخَرُّوا لَهُ سُجَّدًا وَقَالَ يَا أَبَتِ هَذَا تَأْوِيلُ رُؤْيَايَ مِنْ قَبْلُ قَدْ جَعَلَهَا رَبِّي حَقًّا وَقَدْ أَحْسَنَ بِي إِذْ أَخْرَجَنِي مِنَ السِّجْنِ وَجَاءَ بِكُمْ مِنَ الْبَدْوِ مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي إِنَّ رَبِّي لَطِيفٌ لِمَا يَشَاءُ إِنَّهُ هُوَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ) (100 يوسف).
وهنا لا ينبغي أن تفوتَنا ملاحظةُ قولِ سيدِنا يوسف “مِنْ بَعْدِ أَنْ نَزَغَ الشَّيْطَانُ بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي”. فسيدُنا يوسف قدَّم نفسَه وأخَّرَ إخوته، فهو لم يقل “بين إخوتي وبيني”، وإنما قالَ “بَيْنِي وَبَيْنَ إِخْوَتِي”. فكيف لا يكونُ سيدُنا يوسف أهلاً لعظيمِ فضلِ اللهِ تعالى عليه وهو على هذا الحالِ مع اللهِ تعالى إعراضاً عما تهوى الأنفسُ من تَوقٍ للثأرِ وجنوحٍ للانتقام؟! فحالٌ كهذا مع اللهِ تعالى هو حالُ المحسنين الذين ذكرَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم ما أعدَّه لهم من عظيمِ الأجرِ وجزيلِ الجزاء في هذه الحياةِ الدنيا وفي الآخرة ما بوسعِنا أن نتبيَّنه في مواطنَ منه عديدة.

أضف تعليق