
يبالغُ الإنسانُ في تعظيمِ قدرِه مبالغتَه في بخسِ قدرِ غيرِه من مخلوقاتِ الله! وفي هذا ما فيه من تبيانٍ لهذا الذي جُبِلَ عليه الإنسانُ من إذعانٍ لِما تأمرُه به النفسُ ويزيِّنُه له الهوى من إعراضٍ عن الحقِّ واتِّباعٍ لغيرِ سبيلِ الله. ولقد بيَّنَ اللهُ تعالى للإنسانِ في القرآنِ العظيم كلَّ ما هو قمينٌ بأن يجعلَه ينظرُ إلى نفسِه النظرةَ الصائبةَ ليراها على حقيقتِها وليدركَ بالتالي كم هو مفتونٌ بها وإلى الحدِّ الذي يجعلُه ينسى أنَّه قد خُلِقَ ضعيفاً: (وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا) (من 28 النساء).
وهذا “الضعفُ الخَلقي”، والذي هو قدَرٌ إلهي لا فكاكَ منه، قد ذكرَه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم في مواطنَ عدة، منها: (وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّكَ لَنْ تَخْرِقَ الْأَرْضَ وَلَنْ تَبْلُغَ الْجِبَالَ طُولًا) (37 الإسراء). ولكنه الإنسانُ يأبى إلا أن يصدِّقَ نفسَه وما تُوهِمُه به من زخرفِ القولِ وباطلِه! فالإنسانُ محدَّدٌ بجسمٍ ذي قدراتٍ لن يكونَ بمقدورِه أبداً أن يتجاوزَها. وهي قدراتٌ لا تتساوقُ، على الإطلاق، مع غرورِه الذي يجعلُه يتبجَّحُ مفاخراً بحيازتِهِ لقوةٍ لم يخلقه اللهُ تعالى بها! فالإنسانُ ليس “شديدَ الخَلق” كحالِ غيرِه من المخلوقاتِ العاقلة من ملائكةٍ وجن: (فَاسْتَفْتِهِمْ أَهُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمْ مَنْ خَلَقْنَا إِنَّا خَلَقْنَاهُمْ مِنْ طِينٍ لَازِبٍ) (11 الصافات).
فخلقةُ الإنسانِ من “طينٍ لازب” تفرضُ عليه قيوداً وحدوداً لا قدرةَ له على تعدِّيها وتجاوزِها. فالإنسانُ عاجزٌ ببُنيتِه التي خُلِقَ بها عن أن يكونَ بمقدورِه أن يفعلَ ما خُلِقَ الجنُّ قادرين على القيامِ به من خوارقِ الأمورِ والتي ما كان لهم أن يأتوا بها لولا “شديدُ خَلقِهم”. وبرهانُ ذلك ما فصَّلته لنا الآياتُ القرآنيةُ الكريمة التي تتحدثُ عما كان بمقدورِ الجن الذين أيَّدَ اللهُ تعالى بهم سيدَنا سليمان القيامُ به.
ومن نافلةِ القولِ التذكيرُ بما بوسعِ الملائكةِ القيامُ به من خوارقَ يعجزُ الإنسانُ عن القيامِ بها وهو الذي لم يُخلَق كما خُلِقوا شديدي القوى: (وَالنَّجْمِ إِذَا هَوَى. مَا ضَلَّ صَاحِبُكُمْ وَمَا غَوَى. وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى. إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى. عَلَّمَهُ شَدِيدُ الْقُوَى) (1- 5 النجم).
فكيف يفاخرُ الإنسانُ بعدها بقوتِه وهو الذي خُلِقَ ضعيفاً؟!
ولقد شدَّدَ اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم على تبيانِ هذا التباينِ العظيم بين الإنسانِ وكثيرٍ ممن خلقَ: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا) (27 النازعات)، (لَخَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ) (57 غافر).
