
بالغَ قومُ سيدِنا موسى في غَيِّهم وطغيانِهم وتجاسرِهم على اللهِ تعالى حدَّ التلاسُنِ مع سيدِنا موسى وأخيه هارون اللذين نصحا لهم بما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآيةِ الكريمةِ 23 من سورةِ المائدة: (قَالَ رَجُلَانِ مِنَ الَّذِينَ يَخَافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبَابَ فَإِذَا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غَالِبُونَ وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).
فما كان جوابُ قومِ سيدِنا موسى إلا أن قالوا: (يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُون) (من 24 المائدة).
ويحقُّ للمرءِ أن يعجبَ لهذا الانحطاطِ الذي انتهى إليه قومُ سيدِنا موسى تطاولاً على اللهِ الذي أخلصوا له يوماً العبادةَ وتوكَّلوا عليه وصبروا لأمرِه! فكيف تغيَّرَ حالُ قومِ سيدِنا موسى مع اللهِ تعالى هكذا ما أن وطأت أقدامُهم أرضَ سيناء: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتَوْا عَلَى قَوْمٍ يَعْكُفُونَ عَلَى أَصْنَامٍ لَهُمْ قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ. إِنَّ هَؤُلَاءِ مُتَبَّرٌ مَا هُمْ فِيهِ وَبَاطِلٌ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ. قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ) (138- 140 الأعراف)؟ فكيف انقلبَ هؤلاءِ على أعقابِهم كفرةً فجرةً فاسقين وهُم الذين كانوا يوماً يسارعونَ إلى الامتثالِ لأمرِ الله فيمتثلون لما يأمرُهم به رسولُه سيدُنا موسى: (وَقَالَ مُوسَى يَا قَوْمِ إِنْ كُنْتُمْ آمَنْتُمْ بِاللَّهِ فَعَلَيْهِ تَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُسْلِمِينَ. فَقَالُوا عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنَا رَبَّنَا لَا تَجْعَلْنَا فِتْنَةً لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ. وَنَجِّنَا بِرَحْمَتِكَ مِنَ الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ) (84- 86 يونس)؟
أليسوا هُم أنفسُهم مَن قالَ فيهم اللهُ تعالى يوماً: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا وَدَمَّرْنَا مَا كَانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ وَمَا كَانُوا يَعْرِشُونَ) (137 الأعراف)؟
ليس هناك من إجابةٍ بوسعِها أن تُعلِّلَ لهذا الذي حاقَ بالقومِ فجعلهم في “أسفلِ سافلين” إلا بأن نُرجعَ الأمرَ إلى ما جُبِلَ عليه الإنسانُ من جنوحٍ إلى الطغيانِ إذا ما أكرمَه اللهُ ونعَّمَه فمنَّ عليهِ من واسعِ فضلِه. وصدقَ اللهُ القائلُ في الإنسان: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى) (6 العلق).
