
نقرأُ في سورةِ الكهف، وفي الآيةِ الكريمةِ 46 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (الْمَالُ وَالْبَنُونَ زِينَةُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا).
لا يملكُ مَن يتدبَّرُ قَولَ اللهِ تعالى هذا غيرَ أن يعجبَ لتقديمِهِ ذِكرِ “المال” على ذِكرِ “البنين”. وقد يُسارِعُ متدبِّرُ قَولِ اللهِ تعالى هذا إلى الظنِّ بأنَّ هذه العِلةَ موصولةٌ بشأنٍ ذي صِلةٍ بسياقِ الآيةِ الكريمةِ التي وردَ فيها. وهذا ظنٌّ لابد وأن يتلاشى ويتبدَّدَ ما أن يُمعِنُ المتدبِّرُ في تدبُّرِه لآياتٍ كريمةٍ أخرى قُدِّمَ فيها أيضاً ذِكرُ الأموالِ على الأولاد:
1- (وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (28 الأنفال)ز
2- (وَمَا أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ بِالَّتِي تُقَرِّبُكُمْ عِنْدَنَا زُلْفَى إِلَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَأُولَئِكَ لَهُمْ جَزَاءُ الضِّعْفِ بِمَا عَمِلُوا وَهُمْ فِي الْغُرُفَاتِ آمِنُونَ) (37 سور سبأ).
3- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ) (من 9 المنافقون).
4- (إِنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَاللَّهُ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ) (15 التغابن).
5- (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) (من 10 آل عِمران).(فَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ) (من 55 التوبة).
6- (وَلَا تُعْجِبْكَ أَمْوَالُهُمْ وَأَوْلَادُهُمْ) (من 85 التوبة).
7- (لَنْ تُغْنِيَ عَنْهُمْ أَمْوَالُهُمْ وَلَا أَوْلَادُهُمْ مِنَ اللَّهِ شَيْئًا) (من 17 المجادلة).
يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآياتِ الكريمة، أنَّ اللهَ تعالى قد قدَّمَ في قرآنِه العظيم ذِكرَ الأموالِ على الأولاد حيثما اجتمعا. وفي هذا ما فيه من تِبيانٍ لواحدةٍ من أبرزِ الخِصالِ التي تُميِّزُ الإنسانَ، ألا وهي حبُّه الجَمُّ للمال: (وَتَأْكُلُونَ التُّرَاثَ أَكْلًا لَمًّا. وَتُحِبُّونَ الْمَالَ حُبًّا جَمًّا) (19- 20 الفجر).
وهذا الذي جُبِلَ عليه الإنسانُ من حبٍّ جَمٍّ للمال أمرٌ قديمٌ موغِلٌ في القِدَم ضاربٌ بجذورِه في ماضي الإنسانيةِ السحيقِ البعيد: (قَالَ نُوحٌ رَبِّ إِنَّهُمْ عَصَوْنِي وَاتَّبَعُوا مَنْ لَمْ يَزِدْهُ مَالُهُ وَوَلَدُهُ إِلَّا خَسَارًا) (21 نوح). وعشقُ الإنسانِ للمالِ قد جعلَه يتخذُه إلهاً من دونِ الله، فجرَّ عليه ذلك من وبيلِ العواقِبِ ما يكفينا لنتبيَّنَه أن نستذكرَ تاريخَ الإنسانِ مذ وطأت قدماه هذه الأرض. فكم من الحروبِ كان التصارعُ على المالِ هو الدافعَ من وراءِ إيقادِ نارِها.
فالقرآنُ العظيم، وبهذا التشديدِ من جانبِه على شديدِ تعلُّقِ الإنسانِ بالمال، قد أبان عن أنَّه كتابٌ لا يمكنُ أن يكونَ من عندِ غيرِ الله.
