
وصفَ اللهُ تعالى كيدَه في قرآنِه العظيم بأنَّه “متين”: (وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ) (45 القلم). وكيف لا يكونُ كيدُ اللهِ تعالى متيناً وهو “يُملي” لأعدائه إملاءً بوسعِنا أن نتبيَّنَ بعضاً من تجلياتِه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (أَيَحْسَبُونَ أَنَّمَا نُمِدُّهُمْ بِهِ مِنْ مَالٍ وَبَنِينَ. نُسَارِعُ لَهُمْ فِي الْخَيْرَاتِ بَل لَا يَشْعُرُونَ) (55- 56 المؤمنون).
2- (ثُمَّ بَدَّلْنَا مَكَانَ السَّيِّئَةِ الْحَسَنَةَ حَتَّى عَفَوْا وَقَالُوا قَدْ مَسَّ آبَاءَنَا الضَّرَّاءُ وَالسَّرَّاءُ فَأَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُون) (95 الأعراف).
3- (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنَا عَلَيْهِمْ أَبْوَابَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى إِذَا فَرِحُوا بِمَا أُوتُوا أَخَذْنَاهُمْ بَغْتَةً فَإِذَا هُمْ مُبْلِسُونَ) (44 الأنعام).
ولقد فاتَ الذين كفروا من الأمَم الخالية أن يُدركوا أنَّ اللهَ تعالى شديدُ المِحال، ذو كيدٍ عظيمٍ متين، وأنَّه تعالى هو خيرُ الماكرين. فمكرُ اللهِ تعالى وكيدُه لَيتجليان أيما تجلٍّ في هذا “الإملاء” منه للذين كفروا، وهم لا يشعرون أنَّ اللهَ تعالى يَعدُّ لهم عداً وأنَّه لهم بالمرصاد. فما مِن أخذٍ من لدن اللهِ لقومٍ إلا وسبقَ ذلك الأخذَ إملاءٌ منه تعالى لهم، وكلُّ ذلك من تجلياتِ متينِ كيدِه وعظيمِ مكرِه:
1- (وَلَقَدِ اسْتُهْزِئَ بِرُسُلٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَمْلَيْتُ لِلَّذِينَ كَفَرُوا ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ) (32 الرعد).
2- (وَكَأَيِّنْ مِنْ قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ ثُمَّ أَخَذْتُهَا وَإِلَيَّ الْمَصِيرُ) (48 الحج).
3- (فَأَمْلَيْتُ لِلْكَافِرِينَ ثُمَّ أَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ نَكِيرِ) (44 الحج).
أفلا يجدرُ بالإنسانِ إذاً، وهو يعيشُ اليومَ “عصرَ الإملاءِ الإلهي”، ألاَّ يأمنَ مكرَ اللهِ، الذي جلاَّه هذا الإملاء، حتى لا يأخذَه اللهُ تعالى على حينِ غرة؟ (أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ. أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَى أَنْ يَأْتِيَهُمْ بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ. أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ) (97- 99 الأعراف).
