
أعظمُ ابتلاءٍ ابتُلِيَ به الإنسانُ عقلُه إن هو لم يُتقِن إحكامَ السيطرةِ عليه وبما لا يجعلُ لنفسِه منه حظاً ونصيباً. فخيرُ صديقٍ للإنسانِ عقلُه إن هو حصَّنَه فلم يجعله نهباً لكيدِ الشيطانِ وهمزاتِ الشياطين ومرتعاً يعيثُ فيه الهوى خبالاً وفساداً. ولأنَّ هذا كلَّه من أشقِّ الأمورِ على النفسِ وأشدِّها، فإنَّ الإنسانَ لن يعدِمَ وسيلةً تيسِّرُ له التصريحَ بما يضطرُّه إليه عقلُه، الذي تمكَّنت منه نفسُه، من ضلالاتٍ يحسبُها من الحقائق وما هي بذلك. ومن هذه الضلالات ما استعانَ به بعضٌ ممن يسمُّون أنفسَهم “علماء” على التشكيكِ في “الحملِ الإعجازي” للسيدةِ مريم بحجةٍ مفادُها أنَّ تراثَ الشعوبِ قد وردَ فيه ذكرُ نساءٍ في مشارقِ الأرضِ ومغاربِها حملن من دونِ أن يمسسهن بشر، وذلك قبل السيدةِ مريم بزمانٍ بعيد.
ولأنَّ القومَ “علماء”، فإنَّه لمن المنطقي أن يخلصوا إلى هكذا نتيجة أما وأنهم قد عقدوا العزمَ على ألا يصدِّقوا بأنَّ “هنالك في الوجودِ من غريبِ الوقائعِ وعجيبِها ما يستعصي على العقلِ تفسيرُه والتعليلُ له”! فلو أنَّ القومَ صدَّقوا بأنَّ الأيامَ قد جاءت موافقةً لتأويلِ سيدِنا يوسف لرؤيا الملك لما استحالَ عليهم أن يصدِّقوا بأنَّ اللهَ تعالى قادرٌ على أن يجعلَ المرأةَ تحملُ من دون “وساطة” رجل، ولما تعذَّرَ عليهم أن يخصلوا إلى نتيجةٍ مفادُها أنَّ ما وردَ في تراثِ بعضِ الشعوبِ بشأنِ “الحملِ الإعجازي” لم يكن إلا رؤىً جعلَ اللهُ تعالى الأيامَ تجيءُ موافقةً لها!
ويُخطِئُ كلُّ مَن يظنُّ أنَّ أولئك الذين أنكروا “الحملَ الإعجازي” للسيدةِ مريم سوف يسارعون إلى الكفِّ عن التشكيكِ فيه ما أن يتدبَّرَ واحدُهم ما فصَّلَته لنا آياتُ القرآنِ العظيم ذاتِ الصلةِ بحملِها الأعجازي، ومنها:
1- (قَالَتْ رَبِّ أَنَّى يَكُونُ لِي وَلَدٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ قَالَ كَذَلِكِ اللَّهُ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (47 آل عمران).
2- (مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ يَتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ سُبْحَانَهُ إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (35 مريم).
3- (وَالَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهَا مِنْ رُوحِنَا وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالَمِينَ) (91 الأنبياء).
4- وَاذْكُرْ فِي الْكِتَابِ مَرْيَمَ إِذِ انْتَبَذَتْ مِنْ أَهْلِهَا مَكَانًا شَرْقِيًّا. فَاتَّخَذَتْ مِنْ دُونِهِمْ حِجَابًا فَأَرْسَلْنَا إِلَيْهَا رُوحَنَا فَتَمَثَّلَ لَهَا بَشَرًا سَوِيًّا. قَالَتْ إِنِّي أَعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إِنْ كُنْتَ تَقِيًّا. قَالَ إِنَّمَا أَنَا رَسُولُ رَبِّكِ لِأَهَبَ لَكِ غُلَامًا زَكِيًّا. قَالَتْ أَنَّى يَكُونُ لِي غُلَامٌ وَلَمْ يَمْسَسْنِي بَشَرٌ وَلَمْ أَكُ بَغِيًّا. قَالَ كَذَلِكِ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْرًا مَقْضِيًّا) (16- 21 مريم).
فالقومُ لن يؤمِنوا، ولو جاءتهم كلُّ آية، حتى يروا جهنمَ رأيَ العين يومَ القيامة: (إِنَّ الَّذِينَ حَقَّتْ عَلَيْهِمْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لَا يُؤْمِنُونَ. وَلَوْ جَاءَتْهُمْ كُلُّ آيَةٍ حَتَّى يَرَوُا الْعَذَابَ الْأَلِيمَ) (96- 97 يونس).
