وخلقَ اللهُ تعالى الأرضَ مرتين!

نقرأُ في سورةِ النازعات، وفي الآياتِ الكريمة 27- 33 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا. مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ).
تتحدَّثُ هذه الآياتُ الكريمة عن مرحلتَين من مراحلِ تخلُّقِ الأرض. فاللهُ تعالى خلق الأرضَ وذلك من بعدِ أن خلقَ السموات، في ستةِ أيام: (إِنَّ رَبَّكُمُ اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ) (من 54 الأعراف). فاللهُ تعالى هو الذي خلقَ السماءَ فبناها، ثم خلقَ من بعدِ ذلك الأرضَ فدحاها إذ جعلَها مهيأةً ليخلقَ فيها نباتاً وحيواناً ومن بعدِ ذلك بشراً إنساناً. وما بين خلقِ اللهِ تعالى الأرض أول مرة وبين خلقِه الحياة النباتية والحيوانية والبشرية فيها، حُقَبٌ من الزمانِ لا يعلمُ مدتَها إلا الله. فما أن آنَ الأوانُ لتبدأ الحياةُ على الأرض حتى شرعَ اللهُ تعالى في خلقِ كلِّ ما تحتاجه هذه الحياةُ لتنتشرَ وتزدهرَ في ربوعِ الأرضِ براً وبحراً وجواً:
1- (أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا) (31 النازعات).
2- (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (29 البقرة).
3- (وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ. ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلْأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ. فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ فِي يَوْمَيْن) (10- من 12 فصلت).
فاللهُ تعالى، ومن بعدِ اكتمالِ خلقِ الحياةِ النباتيةِ والحيوانية على الأرض، استوى إلى السماءِ فجعلَ فيها سبعَ سموات. وهذه السمواتُ السبع هن سمواتُ أرضين سبع أرضُنا واحدةٌ منهن، وسماؤها هي إحدى هذه السمواتُ السبع: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ) (من 12 الطلاق).
فلا تعارضَ إذاً بين قولِ اللهِ تعالى: (أَأَنْتُمْ أَشَدُّ خَلْقًا أَمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا. رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا. وَأَغْطَشَ لَيْلَهَا وَأَخْرَجَ ضُحَاهَا. وَالْأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا. أَخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا. وَالْجِبَالَ أَرْسَاهَا. مَتَاعًا لَكُمْ وَلِأَنْعَامِكُمْ) (27- 33 النازعات)، وقولِه تعالى (هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ فَسَوَّاهُنَّ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ) (29 البقرة). فاللهُ تعالى خلقَ الأرضَ مرتين: مرةً صيَّرها كوكباً لا حياةَ فيه، وأخرى جعلها كوكباً نابضاً بالحياة.

أضف تعليق