وجعلَ اللهُ تعالى كيدَ الشيطانِ ضعيفاً… نسيانُ صاحبِ سيدِنا يوسفَ في سجنِه ونسيانُ فتى سيدِنا موسى في رحلتِه مثالاً

بدَّدَ اللهُ تعالى بقرآنِه العظيم الأوهامَ التي يُصِرُّ الإنسانُ على أن يبقى أسيرَها ما طوَّعت له نفسُه ذلك وما عجزَ عن الإعراضِ عما تأمرُه به من سوءٍ وفحشاء وضلالٍ عن سبيلِ الله. فجاءَ القرآنُ العظيم “تبياناً لكلِّ شيءٍ” يحتاجُه الإنسانُ حتى يتحرَّرَ من رِبقةِ العبوديةِ لنفسِه، وحتى يصبحَ بمقدورِه أن يميزَ الباطلَ من الحقِّ ويتبيَّنَ سبيلَ الغَي من سبيلِ الرُّشدِ. فلولا ما بيَّنَه لنا القرآنُ بشأنِ ضعفِ كيدِ الشيطان، فهل كنا لنتحرَّرَ مما ترسَّخَ لدى الآباءِ والأجدادِ والأسلافِ من مبالغةٍ في تقديرِ هذا الكيد وإلى الحدِّ الذي جعلَهم يحسبون أنَّ للشيطانِ على الإنسانِ سلطاناً لا فكاك لهم منه أبداً؟ فنحن نقرأُ في هذا القرآن: (إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا) (من 76 النساء).
وهذه حقيقةٌ من حقائقِ الوجودِ ما كان الإنسانُ ليُحيطَ بها لولا ما جاءَه بشأنِها هذا القرآن. قارن ذلك بما كان سائداً في أوروبا لقرونٍ عدة من ظنونٍ وأوهام راحَ ضحيتَها مئاتُ الآلافِ من الأبرياءِ تقتيلاً وتحريقاً، وذلك من جراءِ المبالغةِ في تقديرِ عظيمِ قوةِ الشيطان! وما محاكمُ التفتيش في القرونِ الوسطى وإحراقُ “الساحراتِ” منا ببعيد!
وضعفُ كيدِ الشيطان يتجلَّى في قرآنِ اللهِ العظيم في مواطنَ منه عديدة. لنتدبَّرَ الآياتِ الكريمةَ التالية: (يَا صَاحِبَيِ السِّجْنِ أَمَّا أَحَدُكُمَا فَيَسْقِي رَبَّهُ خَمْرًا وَأَمَّا الْآخَرُ فَيُصْلَبُ فَتَأْكُلُ الطَّيْرُ مِنْ رَأْسِهِ قُضِيَ الْأَمْرُ الَّذِي فِيهِ تَسْتَفْتِيَانِ. وَقَالَ لِلَّذِي ظَنَّ أَنَّهُ نَاجٍ مِنْهُمَا اذْكُرْنِي عِنْدَ رَبِّكَ فَأَنْسَاهُ الشَّيْطَانُ ذِكْرَ رَبِّهِ فَلَبِثَ فِي السِّجْنِ بِضْعَ سِنِينَ. وَقَالَ الْمَلِكُ إِنِّي أَرَى سَبْعَ بَقَرَاتٍ سِمَانٍ يَأْكُلُهُنَّ سَبْعٌ عِجَافٌ وَسَبْعَ سُنْبُلَاتٍ خُضْرٍ وَأُخَرَ يَابِسَاتٍ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي فِي رُؤْيَايَ إِنْ كُنْتُمْ لِلرُّؤْيَا تَعْبُرُونَ. قَالُوا أَضْغَاثُ أَحْلَامٍ وَمَا نَحْنُ بِتَأْوِيلِ الْأَحْلَامِ بِعَالِمِينَ. وَقَالَ الَّذِي نَجَا مِنْهُمَا وَادَّكَرَ بَعْدَ أُمَّةٍ أَنَا أُنَبِّئُكُمْ بِتَأْوِيلِهِ فَأَرْسِلُونِي) (41- 45 يوسف). فالشيطانُ كان يحسبُ أنَّه سيحولُ دون أن يتحقَّقَ لسيدِنا يوسفَ قدَرَه الذي قدَّرُه اللهُ تعالى له إن هو أنسى صاحبَه في سجنِه أن يذكرَه عند الملك! فتعيَّنَ على سيدِنا يوسف أن يلبثَ في السجنِ بضعَ سنين هي كلُّ ما كان يقتضيه الأمرُ من مدةٍ من الزمانِ حتى يأتيَ أمرُ الله فيُرِيَ ملكَ مصرَ رؤياه التي عجزَ الملَأُ من قومِه من أهلِ الحلِّ والعَقدِ عن أن يجدوا لها تفسيراً وتأويلا. فبقاءُ سيدِنا يوسفَ في السجنِ “بضعَ سنين” إذاً هو الذي أدى خاتمةَ المطاف إلى أن يتحقَّقَ لسيدِنا يوسفَ قدَرَه الإلهي الموعود، وذلك على الرغمِ من كلِّ ما فعلَه الشيطانُ ليحولَ، في ظنِّه وحسبانِه، دون ذلك.
ولنتدبَّرَ أيضاً الآياتِ الكريمةَ التالية: (وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِفَتَاهُ لَا أَبْرَحُ حَتَّى أَبْلُغَ مَجْمَعَ الْبَحْرَيْنِ أَوْ أَمْضِيَ حُقُبًا. فَلَمَّا بَلَغَا مَجْمَعَ بَيْنِهِمَا نَسِيَا حُوتَهُمَا فَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ سَرَبًا. فَلَمَّا جَاوَزَا قَالَ لِفَتَاهُ آتِنَا غَدَاءَنَا لَقَدْ لَقِينَا مِنْ سَفَرِنَا هَذَا نَصَبًا. قَالَ أَرَأَيْتَ إِذْ أَوَيْنَا إِلَى الصَّخْرَةِ فَإِنِّي نَسِيتُ الْحُوتَ وَمَا أَنْسَانِيهُ إِلَّا الشَّيْطَانُ أَنْ أَذْكُرَهُ وَاتَّخَذَ سَبِيلَهُ فِي الْبَحْرِ عَجَبًا. قَالَ ذَلِكَ مَا كُنَّا نَبْغِ فَارْتَدَّا عَلَى آثَارِهِمَا قَصَصًا. فَوَجَدَا عَبْدًا مِنْ عِبَادِنَا آتَيْنَاهُ رَحْمَةً مِنْ عِنْدِنَا وَعَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا) (60- 65 الكهف).
فالشيطانُ كان يحسبُ أنَّه إن أنسى فتى سيدِنا موسى أمرَ الحوت، فإنه بذلك سيحرمُهما غداءهما فيجعلهما ذلك يكفان عن متابعة رحلتِهما بحثاً عن العبدِ الصالح! وهنا أيضاً خابَ فألُ الشيطانِ ومسعاه؛ إذ كان هذا الذي حدث من اتِّخاذ الحوتِ سبيلَه في البحرِ سربا هو عينُ الدلالةِ التي كان سيدُنا موسى يريدُ أن يهتديَ إليها فيجعلُه ذلك يهتدي بها إلى حيث كان العبدُ الصالح الذي كان سيدُنا موسى يريدُ أن يتَّبعه فيتعلم منه عِلماً! وهكذا تحقَّق لسيدِنا موسى أن يلتقيَ العبدَ الصالحَ من بعدِ اهتدائِه إليه إثرَ تسرُّبِ الحوتِ في البحر.
يتبيَّنُ لنا إذاً، وبتدبُّرِ ما تقدَّم، أنَّ ما أجملَه القرآنُ العظيم بقولِه “إِنَّ كَيْدَ الشَّيْطَانِ كَانَ ضَعِيفًا” قد فصَّله في مواطنَ منه أخرى يتبيَّنُ لكلِّ مَن يتدبَّرُها هذا الذي هو عليه كيدُ الشيطانِ من ضعفٍ قُدِّرَ له أن يكونَ عليه. فاللهُ تعالى لم يُجِز للشيطانِ أن يفعلَ ببني آدمَ ما يشاء؛ فالشيطان لا يملكُ من الكيدِ شيئاً غير ذاك الذي أجازَه اللهُ تعالى به إثرَ طلبِه من اللهِ أن يُجيزَ له أن يفعلَ كلَّ ما بوسعِه ليُضِلَّ الغاوين من بَني آدم: (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِي إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا. قَالَ اذْهَبْ فَمَنْ تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَاؤُكُمْ جَزَاءً مَوْفُورًا. وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَولَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إِلَّا غُرُورًا. إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ وَكَفَى بِرَبِّكَ وَكِيلًا) (62- 65 الإسراء).

أضف تعليق