وقبلَ سيدِنا إبراهيم كان هناك إسلامٌ وكان هناك مسلمون… فما الجديدُ الذي جاءنا به سيدُنا إبراهيم إذاً؟

نقرأُ في سورةِ الحج، وفي الآيةِ الكريمة 78 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِهِ هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ مِلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِنْ قَبْلُ وَفِي هَذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ فَنِعْم الْمَوْلَى وَنِعْمَ النَّصِيرُ).

يتبيَّنُ لنا، وبتدبُّرِ هذه الآيةِ الكريمة، أنَّ سيدَنا إبراهيمَ هو مَن استحدثَ تسميةَ “المسلمين”. وقد يعترضُ معترِضٌ أنَّ القولَ بذلك يتعارضُ مع ما تخبرُنا به الآيةُ الكريمة 72 من سورةِ يونس، والتي يخاطبُ فيها سيدُنا نوحٌ قومَه: (فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ فَمَا سَأَلْتُكُمْ مِنْ أَجْرٍ إِنْ أَجْرِيَ إِلَّا عَلَى اللَّهِ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ). فكيف يؤمَرُ سيدُنا نوح بأن يكونَ من المسلمين وسيدُنا إبراهيم هو من استحدثَ هذه التسمية، أخذاً بنظرِ الاعتبار أنَّ سيدَنا نوح قد سبقَ سيدَنا إبراهيم بأكثرَ من “عشرةِ قرون”؟!

يُعينُ على تبيُّنِ الإجابةِ على هذا الاعتراض أن نستذكرَ الحقيقةَ القرآنيةَ التي مفادها أنَّ الإسلامَ كان موجوداً قبل سيدِنا إبراهيم وكذلك المسلمون. فاللهُ تعالى خيَّرَ الإنسانَ بين طريقَين لا ثالثَ لهما: فإما أن يتَّبعَ هَديَ الله وإما أن يُعرِضَ فيتَّبع هواه. واتِّباع هَدي الله هو لا أكثرَ من أن يُسلِمَ العبدُ وجهَه لله فلا يشرِك به أحداً من خلقِه. فليس عند اللهِ دينٌ آخر غيرُ الإسلام: (إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ) (من 19 آل عمران). فأنبياءُ الله، وكلُّ مَن اهتدى بهَديِهم وسارَ على نهجِهم إلى الله، كانوا يعبدون اللهَ مخلصين له الدين وإن لم يسمَّوا بـ “المسلمين”. فيُحسَبُ لسيدِنا إبراهيمَ إذاً أنَّه هو مَن استحدثَ هذه التسميةَ فسمَّى بها كلَّ مَن “أخلصَ دينَه لله” وتوجَّهَ إليه سلَماً له وحدَه لا شريكَ له.

أضف تعليق