
حدَّدَ اللهُ تعالى “قِوامةَ الرجالِ على النساء”، وذلك بما فصَّلَه وبيَّنهُ قولُه في الآيةِ الكريمة 34 النساء: (الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ وَبِمَا أَنْفَقُوا مِنْ أَمْوَالِهِمْ). فقوامةُ الرجالِ على النساء مشروطةٌ إذاً بما هو ذو صِلةٍ بالإنفاقِ وغيرِ ذلك من الشؤونِ التي يقتضيها تفضيلُ بعضِهم على بعض، وذلك على قدرِ تعلُّقِ الأمرِ بمَن أوتيَ منهم من فضلِ اللهِ تعالى ما يكفيه ويكفي الآخر. فاللهُ تعالى يؤتي مَن يشاءُ من عبادِه ما يشاءُ من فضلِه. والفضلُ الذي يُشيرُ إليه قولُ اللهِ تعالى “بِمَا فَضَّلَ اللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَى بَعْضٍ” هو التفضيلُ الموصول بالمال. فاللهُ تعالى إن شاءَ آتى الرجلَ من فضلِه ما يكفيه ويكفي عائلتَه، وإن شاء آتى المرأةَ من فضلِه ما يكفيها ويكفي عائلتَها (لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ). فالنساءُ مبعثَ رسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم كان منهن مَن آتاها اللهُ تعالى من فضلِه ما أغناها به وأقناها. فالسيدةُ خديجة رضي اللهُ تعالى عنها لم تكن بِدعاً من النساء إذ كان لها مالُها وكانت لها تجارتُها. والمرأةُ التاجرةُ لا يُعقَلُ أن تكونَ القِوامةُ لزوجِها عليها وهي صاحبةُ رأسِ المال!
ولقد بالغَ القومُ في تحميلِ قولِ اللهِ تعالى “الرِّجَالُ قَوَّامُونَ عَلَى النِّسَاءِ” ما ليس بمقدورِهم أن يأتوا عليه بسلطانٍ أو برهان؛ فقالوا إنَّ “قوامةَ الرجالِ على النساء” مطلقةٌ شاملة إذ هي تطالُ المرأةَ كلَّها بحذافيرِها روحاً وجسماً! فللرجلِ على زوجتِه من هذه “القِوامةِ المبتدَعة” ما يجعلُ له سلطةً على “حالِها مع اللهِ تعالى” وإن تعلَّقَ الأمرُ بتديُّنِها وتعبُّدِها صلاةً وزكاةً وحجاً وعمرة وذِكراً وتسبيحاً! فوفقاً لهذه “القوامةِ المبتدعة”، فإن للرجلِ على المرأةِ “حقوقاً” يكونُ له بمقتضاها أن يفاضلَ بين “حاجاتِه البشرية” وبين ما أمرَها اللهُ تعالى به من عبادات؛ فإن تعارضت هذه مع تلك فالأولويةُ لحاجاته!!!!
ألا تعساً لهكذا ابتداع يُذكِّرُنا بما ابتدعه أولئك الذين قالَ اللهُ تعالى فيهم: (وَرَهْبَانِيَّةً ابْتَدَعُوهَا مَا كَتَبْنَاهَا عَلَيْهِمْ إِلَّا ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ فَمَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا) (من 27 الحديد).
