في معنى قَولِ اللهِ تعالى “بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ”

نقرأُ في سورةِ الرحمن، وفي الآيتَين الكريمتَين 19- 20 منها، قولَ اللهِ تعالى: (مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ يَلْتَقِيَانِ. بَيْنَهُمَا بَرْزَخٌ لَا يَبْغِيَانِ). 
وهذا الذي يتعيَّنُ علينا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ هاتين الآيتَين الكريمتَين من سورةِ الرحمن هو عينُ ما يتوجَّبُ علينا أن نتبيَّنَه في الآيةِ الكريمة 53 من سورةِ الفرقان: (وَهُوَ الَّذِي مَرَجَ الْبَحْرَيْنِ هَذَا عَذْبٌ فُرَاتٌ وَهَذَا مِلْحٌ أُجَاجٌ وَجَعَلَ بَيْنَهُمَا بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا).  فاللهُ تعالى جعلَ بين ماءِ النهرِ العذب وماءِ البحرِ المالح “بَرْزَخًا وَحِجْرًا مَحْجُورًا” فلا يبغي أحدُهما على الآخر، أي لا ينفذُ أحدُهما إلى الآخر نفاذاً يُصيِّرُهما ماءً مالحاً فلا يعودُ بعدها بمقدورِ الأنعامِ والأناسي أن يرتويا به.
وهذا البرزخُ الذي جعلَه اللهُ تعالى بين الماءين العذبِ والمالحِ يذكِّرُنا ببرزخٍ آخر ما كنا لنعلمَ بوجودِه لولا ما جاءنا بشأنِه قرآنُ اللهِ العظيم في الآيتَين الكريمتَين 99- 100 من سورة المؤمنون: (حَتَّى إِذَا جَاءَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ رَبِّ ارْجِعُونِ. لَعَلِّي أَعْمَلُ صَالِحًا فِيمَا تَرَكْتُ كَلَّا إِنَّهَا كَلِمَةٌ هُوَ قَائِلُهَا وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ). فهذا البرزخُ الذي جعلَه اللهُ تعالى بين عالَمِ أحياءِ بَني آدمَ وعالَمِ أمواتِهم هو ما يحولُ دون أن “يتنافذَ” هذان العالَمان. وهذا البرزخُ هو الذي يُوجِبُ علينا ألا نصدِّقَ أولئك الذين يزعمون أنَّ بإمكانِ موتى البشر أن يتواصلوا مع الأحياءِ منهم، وأنَّ بإمكانِ الأحياءِ من البشر أن يتواصلوا مع الأمواتِ منهم. فأنفسُ موتى بَني آدم محفوظةٌ في كتابٍ سمَّاه القرآنُ العظيم “كتابَ الله”: (وَيَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ مَا لَبِثُوا غَيْرَ سَاعَةٍ كَذَلِكَ كَانُوا يُؤْفَكُونَ. وَقَالَ الَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ وَالْإِيمَانَ لَقَدْ لَبِثْتُمْ فِي كِتَابِ اللَّهِ إِلَى يَوْمِ الْبَعْثِ فَهَذَا يَوْمُ الْبَعْثِ وَلَكِنَّكُمْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ) (55- 56 الروم).

أضف تعليق