
كان سيدُنا موسى ضيِّقَ الصدرِ غضوباً: (قَالَ رَبِّ إِنِّي أَخَافُ أَنْ يُكَذِّبُونِ. وَيَضِيقُ صَدْرِي وَلَا يَنْطَلِقُ لِسَانِي فَأَرْسِلْ إِلَى هَارُونَ) (12- 13 الشعراء)، (وَلَمَّا رَجَعَ مُوسَى إِلَى قَوْمِهِ غَضْبَانَ أَسِفًا قَالَ بِئْسَمَا خَلَفْتُمُونِي مِنْ بَعْدِي أَعَجِلْتُمْ أَمْرَ رَبِّكُمْ وَأَلْقَى الْأَلْوَاحَ وَأَخَذَ بِرَأْسِ أَخِيهِ يَجُرُّهُ إِلَيْهِ) (من 150 الأعراف). ولذلك فليس من الصوابِ أن نقولَ إنَّ كلَّ ما فعلَه سيدُنا موسى “لم يكن عن أمرِه”، فسيدُنا موسى لم يكن الخضر الذي ينبؤنا قولُ اللهِ تعالى في الآيةِ الكريمة 82 من سورةِ الكهف (وَمَا فَعَلْتُهُ عَنْ أَمْرِي) بأنَّ ما استهجنه سيدُنا موسى مما فعلَه الخضر (من خرقِ السفينة وقتلِ الغلام وإقامةِ الجدار) “لم يكن عن أمره”.
فسيدُنا موسى كان يعجلُ أحياناً في إصدارِ حكمِه على الأشياء، ومن ذلك حكمُه على ما فعلَه الخضر مما تقدَّم ذكرُه: (قَالَ أَخَرَقْتَهَا لِتُغْرِقَ أَهْلَهَا لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا إِمْرًا (من 71 الكهف))، (قَالَ أَقَتَلْتَ نَفْسًا زَكِيَّةً بِغَيْرِ نَفْسٍ لَقَدْ جِئْتَ شَيْئًا نُكْرًا (من 74 الكهف))، (قَالَ لَوْ شِئْتَ لَاتَّخَذْتَ عَلَيْهِ أَجْرًا (من 77 الكهف)). ولذلك فليس بالأمرِ المستغرب أن يبادرَ سيدُنا موسى فيأمرَ قومَه بأن يقتلَ بعضُهم بعضاً، وذلك إثرَ عودتِه إليهم من خلوتِه مع اللهِ تعالى والتي نبَّأه اللهُ تعالى فيها بأنَّ قومَه قد اتخذوا العجلَ إلهاً. فكان أن نبَّأه اللهُ تعالى، وهو نبيُّه وكليمُه، بأنَّه قد تابَ عليهم، وذلك لكي يحولَ دون أن يقتلَ قومُه بعضُهم بعضاً: (إِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنْفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُوا إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُوا أَنْفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ عِنْدَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ) (54 البقرة).
ولقد كانت تلك التوبةُ مشروطةً بأن ينتصحَ بها قومُ سيدِنا موسى فلا يعودوا إلى ما كانوا عليه قبلها وإلا فإنَّ اللهَ تعالى سيُنزلُ بساحتِهم عقابَه. ولأنَّ القومَ نقضوا عهدَهم مع اللهِ تعالى، ففعلوا ما خرقوا به ميثاقَهم الذي واثقوا اللهَ تعالى به، فلقد كان حقيقاً على اللهِ تعالى أن يعاقبَهم عقابَ الفاسقين فجعلَهم يتيهون في أرضِ سَيناء، فكلما أرادوا أن يخرجوا منها أُعيدوا فيها حتى انقضت سنواتُ العقوبةِ الأربعون: (قَالَ رَبِّ إِنِّي لَا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي فَافْرُقْ بَيْنَنَا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ. قَالَ فَإِنَّهَا مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ فَلَا تَأْسَ عَلَى الْقَوْمِ الْفَاسِقِينَ) (25- 26 المائدة).
