
أمرَ فرعونُ الطاغية وزيرَه هامان بأن يبنيَ له صَرحاً يصَّعدُ به إلى السماءِ ظناً منه وتوهماً أنَّ ذلك سيُمكِّنه من أن يطَّلعَ إلى “إلهِ موسى”: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي فَأَوْقِدْ لِي يَاهَامَانُ عَلَى الطِّينِ فَاجْعَلْ لِي صَرْحًا لَعَلِّي أَطَّلِعُ إِلَى إِلَهِ مُوسَى وَإِنِّي لَأَظُنُّهُ مِنَ الْكَاذِبِينَ) (38 القصص). فالطاغيةُ فرعون كان يحسبُ نفسَه “إلهَ الأرض”، ولذلك فلو كان هناك ثمةَ إلهٍ آخر فلابد وأن يكونَ هذا الإلهُ “إلهَ السماء” وليس “إلهَ الأرض”! ففرعونُ الطاغية كان واثقاً أنَّه لن يطَّلعَ على أيِّ إلهٍ في السماء، وذلك لأنَّه كان يرى نفسَه “إلهَ السماءِ والأرض”! فمبتغى فرعون من وراءِ صرحِه هو أن يُرِيَ قومَه، الذين استخفَّهم فأطاعوه، أن ليس هناك في السماءِ إلهاً، وأنَّه هو الإلهُ الذي ينبغي أن يكونَ إلهَ السماءِ كما هو إلهُ الأرض!
أين فرعونُ الطاغية وصرحُه من سيدِنا سليمان وصرحِهِ الذي جاءنا القرآنُ العظيم بنبئه في الآيةِ الكريمة 44 من سورةِ النمل: (قِيلَ لَهَا ادْخُلِي الصَّرْحَ فَلَمَّا رَأَتْهُ حَسِبَتْهُ لُجَّةً وَكَشَفَتْ عَنْ سَاقَيْهَا قَالَ إِنَّهُ صَرْحٌ مُمَرَّدٌ مِنْ قَوَارِيرَ قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ)؟ فمبتغى سيدِنا سليمان من صرحِه هذا كان إقامةَ الحجةِ على مَن كان يستضيفُهم من ملوكِ وأمراءِ عصرِه بأنَّ العقلَ، الذي يحتجُّون به على الإلهِ الذي كان يدعوهم إلى الإيمانِ به، هو عقلٌ عاجزٌ عن أن يعلِّلَ لذلك الصرح الذي كان يضطرُّ واحدَهم خوفُه من أن يصِلَ “ماؤه” إلى ساقَيه لأن يكشفَ عنهما، وذلك كما فعلت ملكةُ سبأ! فأنى لعقلٍ يعجزُ عن معرفةِ السرِّ الكامنِ من وراءِ هذا الصرح، الذي أوهمتهم عجيبُ صنعتِه بأنَّه ماءٌ وما هو بماء، أن يشكِّكَ في اللهِ الواحدِ الأحد؟
