في معنى قَولِ اللهِ تعالى “فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ”

نقرأُ في سورةِ هود، وفي الآياتِ الكريمةِ 69- 75 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وَلَقَدْ جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا سَلَامًا قَالَ سَلَامٌ فَمَا لَبِثَ أَنْ جَاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ. فَلَمَّا رَأَى أَيْدِيَهُمْ لَا تَصِلُ إِلَيْهِ نَكِرَهُمْ وَأَوْجَسَ مِنْهُمْ خِيفَةً قَالُوا لَا تَخَفْ إِنَّا أُرْسِلْنَا إِلَى قَوْمِ لُوطٍ. وَامْرَأَتُهُ قَائِمَةٌ فَضَحِكَتْ فَبَشَّرْنَاهَا بِإِسْحَاقَ وَمِنْ وَرَاءِ إِسْحَاقَ يَعْقُوبَ. قَالَتْ يَا وَيْلَتَى أَأَلِدُ وَأَنَا عَجُوزٌ وَهَذَا بَعْلِي شَيْخًا إِنَّ هَذَا لَشَيْءٌ عَجِيبٌ. قَالُوا أَتَعْجَبِينَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ رَحْمَةُ اللَّهِ وَبَرَكَاتُهُ عَلَيْكُمْ أَهْلَ الْبَيْتِ إِنَّهُ حَمِيدٌ مَجِيدٌ. فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ). فما هو معنى “فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ”؟
لا يمكنُنا أن نتبيَّنَ هذا المعنى بمعزلٍ عن تدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية: (وَنَبِّئْهُمْ عَنْ ضَيْفِ إِبْرَاهِيمَ. إِذْ دَخَلُوا عَلَيْهِ فَقَالُوا سَلَامًا قَالَ إِنَّا مِنْكُمْ وَجِلُونَ. قَالُوا لَا تَوْجَلْ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلَامٍ عَلِيمٍ قَالَ أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَي) (51- 54 سورة الحِجر). فسيدُنا إبراهيم كان بشراً ويجري عليه بالتالي ما يجري على البشرِ وما يصدرُ عنهم من “ردِّ فِعلٍ أولي” على كلِّ قَولٍ أو فعل تتصدَّى للتعاملِ معه هذه البشريةُ التي جُبِلَ عليها كلُّ إنسان.
ولكن “ردَّ الفعلِ الأولي” هذا لا ينبغي أن يُجعلَنا ننسى أنَّ من بين ما يتمايزُ به معشرُ الأنبياءِ عن السوادِ الأعظمِ من بَني آدم هو تلك العزيمةُ التي تجعلُ واحدَهم سرعانَ ما يستدركُ فيبادرُ إلى العملِ بما يتعارضُ مع بشريتِه التي جعلته عبوديتُه للهِ تعالى يُحسِنُ ترويضَها وذلك من بعد أن أدَّبَه ربُّه فأحسنَ تأديبَه. أنظر كيف استدركَ سيدُنا إبراهيم ما كان قد بدرَ منه من قولٍ مفادُه “أَبَشَّرْتُمُونِي عَلَى أَنْ مَسَّنِيَ الْكِبَرُ فَبِمَ تُبَشِّرُونَي”، بقولِهِ “وَمَنْ يَقْنَطُ مِنْ رَحْمَةِ رَبِّهِ إِلَّا الضَّالُّونَ” (من 56 سورة الحِجر)، وذلك من بعدِ أن ذكَّرته الملائكةُ بقولِهم “بَشَّرْنَاكَ بِالْحَقِّ فَلَا تَكُنْ مِنَ الْقَانِطِينَ” (من 55 سورةِ الحجر).
أفلا يُعينُنا تدبُّرُ هذا التحوُّلِ اللحظي، مما كان عليه سيدُنا إبراهيم من ظاهرِ قنوطٍ إلى إقرارٍ وموافقةٍ لما ذكَّرته به الملائكةُ، على فهمِ “الحالةِ الوجدانية” التي كان سيدُنا إبراهيم يمرُّ بها إذ جادلَ اللهَ تعالى في قومِ سيدِنا لوط حتى لا يُنزِلَ بساحتِهم عذابَه؟ فمن بعد أن ذهبَ عن سيدِنا إبراهيم الروعُ والفزعُ، إثرَ قدومِ “الضيفِ” غير المعتاد، ومن بعدِ أن جاءته البشرى، بالغلامِ الذي بقيَ يدعو اللهَ تعالى عقوداً من السنين حتى يرزقَه به، فإنه لمن المفهومِ أن يجادلَ اللهَ تعالى في قومِ سيدِنا لوط، خاصةً وهو مَن هو رقةً وحناناً وتراحماً وتعاطفاً مع مَن كان يرتجي أن يُعرضوا عن تعدِّيهم لحدودِ الله وخروجِهم على سُنَّتِه في خَلقِه.

أضف تعليق