
حَبى اللهُ تعالى قرآنَه العظيم بما قيَّضَ له ما جعلَه يتعالى على الزمانِ والمكان وعلى أحكامِ العقل ما تجاوزَ العقلُ حدودَه التي خُلِقَ عاجزاً عن أن يتعدَّاها. فالقرآنُ العظيم هو كتابُ العالَمَين: عالَمُ الغيبِ وعالَمُ الشهادة، وهو لذلك يتمنَّعُ على أيِّ محاولةٍ لجعلِهِ يتماشى مع أحكامِ العقلِ إذا ما تجاوزَ العقلُ حدودَه، ومن ذلك تلك التي فرضها النُّحاةُ والمناطقةُ على لسانِه العربي المبين. ويكفينا دليلاً على هذا التمنُّعِ والتعالي اللذين حبى اللهُ تعالى بهما قرآنَه العظيم أنَّ الكلمةَ القرآنيةَ “ما” تجيءُ أحياناً بمعنى “مَن”، وذلك في جَليِّ تعارضٍ مع ما سطرتهُ أقلامُ النُّحاة من أنَّ “مَن” تفيدُ العاقل و”ما” تفيدُ غيرَ العاقل، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ) (7 التين).
2- (وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا. وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا. وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا. فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا) (5- 8 الشمس).
