
نقرأُ في سورةِ يونس، وفي الآياتِ الكريمةِ 90- 92 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (وَجَاوَزْنَا بِبَنِي إِسْرَائِيلَ الْبَحْرَ فَأَتْبَعَهُمْ فِرْعَوْنُ وَجُنُودُهُ بَغْيًا وَعَدْوًا حَتَّى إِذَا أَدْرَكَهُ الْغَرَقُ قَالَ آمَنْتُ أَنَّهُ لَا إِلَهَ إِلَّا الَّذِي آمَنَتْ بِهِ بَنُو إِسْرَائِيلَ وَأَنَا مِنَ الْمُسْلِمِينَ. آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ. فَالْيَوْمَ نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ لِتَكُونَ لِمَنْ خَلْفَكَ آيَةً وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ). فما هو معنى “آيَاتِنَا” في قَولِ اللهِ تعالى “وَإِنَّ كَثِيرًا مِنَ النَّاسِ عَنْ آيَاتِنَا لَغَافِلُونَ”؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ قولَ اللهِ تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ. وَمَا يُؤْمِنُ أَكْثَرُهُمْ بِاللَّهِ إِلَّا وَهُمْ مُشْرِكُونَ) (105- 106 يوسف). فاللهُ تعالى قد بثَّ في ما قُدِّرَ لبَني آدمَ أن يحيطوا به عِلماً من هذا العالَمِ آياتٍ تُعجِزُ العقلَ البشري عن أن يُعلِّلَ لها التعليلَ الذي يجعلُه لا يرى فيها ما يوجِبُ عليه القولَ بأنها لا يمكنُ أن تكونَ من عندِ غيرِ الله. إلا أنَّ الإنسانَ يأبى إلا أن يُعرِضَ عن هذه الآياتِ ويكذِّبَ بها على الرغمِ من كونِه لم يُحِط بها علماً يمكِّنُه من سبرِ أغوارِ أسرارِها وفقهِ العلةِ الكامنةِ من وراءِ حدوثِها: (حَتَّى إِذَا جَاءُوا قَالَ أَكَذَّبْتُمْ بِآيَاتِي وَلَمْ تُحِيطُوا بِهَا عِلْمًا أَمْ مَاذَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ) (84 النمل).
ولا أدلَّ على هذا الإعراضِ عن آياتِ اللهِ والتكذيبِ بها من هذا الذي بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ 90- 92 من سورةِ يونس أعلاه. فاللهُ تعالى أمرَ البحرَ بأن يلفظَ جثةَ فرعون الطاغية، وذلك من بعدِ أن أغرقَه وجيشَه فيه. فالآيةُ هنا هي هذا “الاختصاصُ” الذي نجَّى اللهُ تعالى بمقتضاهُ جثةَ فرعون وحدَه من بين الآلافِ المؤلفة من جثثِ جنودِه، وذلك حتى يكونَ للناسِ آيةً مفادُها أنَّ هذا هو ما آلَ إليه مَن استخفَّ قومَه فأطاعوه حين أخبرهم بأن لا إلهَ هناك غيرَه، وأنَّه إنما يهديهم إلى سبيلِ الرشاد: (وَقَالَ فِرْعَوْنُ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرِي) (من 38 القصص)، (قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلَّا مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلَّا سَبِيلَ الرَّشَادِ) (من 29 غافر)!
