وَأُحْضِرَتِ أَنْفُسُ بَني آدمَ الشُّح

تقدِّمُ لنا قصةُ “أصحابِ الجنة” في سورةِ القلم مثالاً على ما أُحضرَتهُ أنفسُ البشرِ من شُحٍّ وقتور، وذلك مصداقَ وصفِ اللهِ تعالى للإنسان: (قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي إِذًا لَأَمْسَكْتُمْ خَشْيَةَ الْإِنْفَاقِ وَكَانَ الْإِنْسَانُ قَتُورًا) (100 الإسراء). فاللهُ تعالى أنعمَ على “أصحابِ الجنةِ” هؤلاء ما يكفيهم ويكفي مئاتٍ آخرين غيرَهم، فما كان منهم إلا أن تعاهدوا على ألا يُطعموا أحداً من المساكينَ والمحرومين: (إِنَّا بَلَوْنَاهُمْ كَمَا بَلَوْنَا أَصْحَابَ الْجَنَّةِ إِذْ أَقْسَمُوا لَيَصْرِمُنَّهَا مُصْبِحِينَ. وَلَا يَسْتَثْنُونَ… فَتَنَادَوْا مُصْبِحِينَ. أَنِ اغْدُوا عَلَى حَرْثِكُمْ إِنْ كُنْتُمْ صَارِمِينَ. فَانْطَلَقُوا وَهُمْ يَتَخَافَتُونَ. أَنْ لَا يَدْخُلَنَّهَا الْيَوْمَ عَلَيْكُمْ مِسْكِينٌ) (17- 18 و21- 24 القلم).
فما الذي كان ليُضيرَ “أصحابَ الجنةِ” هؤلاء لو أنَّهم أطعموا المساكين والمحرومين؟! وهل كان إطعامُ هؤلاء المساكين والمحرومين ليُنقِصَ من ثمارِ جنتهم شيئاً ذا بال؟! أوَلا يذكِّرُنا حالُ “أصحابِ الجنةِ” هؤلاء مع اللهِ تعالى بحالِ أولئك الذين ذكرَهم قرآنُه العظيم في الآيةِ الكريمةِ 47 من سورةِ يس: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ أَنْفِقُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ قَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنُطْعِمُ مَنْ لَوْ يَشَاءُ اللَّهُ أَطْعَمَهُ إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ)؟ ومن كان هذا هو حالَه مع اللهِ تعالى لا ينبغي له أن يعجبَ إن امتدَّت إليه يدُ اللهِ تعالى بالبطشِ والتنكيل!
لنتدبَّرَ ما فصَّلته لنا سورةُ القلم مما حاقَ بـ “أصحابِ الجنةِ” هؤلاء من عذابِ اللهِ تعالى: (فَطَافَ عَلَيْهَا طَائِفٌ مِنْ رَبِّكَ وَهُمْ نَائِمُونَ. فَأَصْبَحَتْ كَالصَّرِيم،…، فَلَمَّا رَأَوْهَا قَالُوا إِنَّا لَضَالُّونَ. بَلْ نَحْنُ مَحْرُومُونَ) (19- 20 و26- 27 القلم). ولقد كان بوسعِ “أصحابِ الجنةِ” هؤلاء أن ينعموا بما أنعمَ اللهُ تعالى به عليهم من فضله لو أنَّهم أنصتوا لما أشارَ به عليهم أوسطُهم: (قَالَ أَوْسَطُهُمْ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ لَوْلَا تُسَبِّحُونَ) (28 القلم). فلو أنَّهم كانوا قد أطاعوا أوسطَهم، فسبَّحوا اللهَ ربَّهم، لهداهم اللهُ وعلَّمَهم ما ينبغي عليهم القيامُ به حتى يكونوا في مأمنٍ من شديدِ عذابِه وصارمِ عقابِه: (إِنَّ الْإِنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا. إِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا. وَإِذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا. إِلَّا الْمُصَلِّينَ. الَّذِينَ هُمْ عَلَى صَلَاتِهِمْ دَائِمُونَ. وَالَّذِينَ فِي أَمْوَالِهِمْ حَقٌّ مَعْلُومٌ. لِلسَّائِلِ وَالْمَحْرُومِ. وَالَّذِينَ يُصَدِّقُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ) (19- 26 المعارج).

أضف تعليق