في معنى قَولِه تعالى “كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ”

نقرأُ في سورةِ المائدة، وفي الآيةِ الكريمةِ 64 منها، قولَ اللهِ تعالى: (كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَسَادًا وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُفْسِدِينَ).
تتحدَّثُ هذه الآيةُ الكريمةُ عن الذين  كفروا من بَني إسرائيل فتُخبِرُنا ببعضٍ من سيءِ ما عادَ به عليهم كبيرُ مقتِ اللهِ تعالى لهم من خزيٍ وخذلانٍ تجلَّى في إحباطِ اللهِ تعالى لمساعيهم التي ابتغوا من ورائها إشعالَ نارِ الحروب وأيقاظَ نيرانِ الفتنةِ بين الشعوب، وذلك إمعاناً من جانبِهم في تقديمِ كلِّ ما من شأنِه أن يكفلَ لهم نصيباً من عذابِ اللهِ تعالى في هذه الحياةِ الدنيا لا ينفكُّ يزدادُ قدراً وحجماً.
ولأنَّ الذين كفروا من بَني إسرائيل هم أشدُّ الناسِ حرصاً على حياةٍ، وأكثرُهم تعلُّقاً بزخرفِها وبهرجِها، فإنَّهم نادراً ما يقاتلون عدوَّهم بأنفسِهم. ولقد جعلَهم هذا العشقُ لموبقاتِ الدنيا وزائفِ معدنِها يسعونَ إلى زجِّ الآخرين في حروبٍ ينأون بأنفسِهم عنها خوفاً وجُبناً! ولقد بيَّنَ لنا اللهُ تعالى في هذه الآيةِ الكريمة أنَّه قد تعهَّدَ سعيَ الذين كفروا من بَني إسرائيل لإيقادِ نارِ الحرب بما هو كفيلٌ بإطفاءِ هذه النار وإفشالِ مخططاتِهم المجرمة. ومن ذلك ما حدثَ إبانَ غزوةِ الأحزاب من “تدخُّلٍ إلهيٍّ مباشر” في سَيرِ أحداثِ تلك الغزوةِ المباركة وبما تجلَّى بما بوسعِنا أن نتبيَّنَه بتدبُّرِ الآياتِ الكريمةِ التالية:
1- (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ رِيحًا وَجُنُودًا لَمْ تَرَوْهَا وَكَانَ اللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرًا) (9 سورة الأحزاب).
2- (وَرَدَّ اللَّهُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِغَيْظِهِمْ لَمْ يَنَالُوا خَيْرًا وَكَفَى اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ الْقِتَالَ وَكَانَ اللَّهُ قَوِيًّا عَزِيزًا. وَأَنْزَلَ الَّذِينَ ظَاهَرُوهُمْ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ صَيَاصِيهِمْ وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ فَرِيقًا تَقْتُلُونَ وَتَأْسِرُونَ فَرِيقًا) (25- 26 سورة الأحزاب).
ومن ذلك أيضاً ما حدثَ لبَني النضير الذين كادوا لرسولِ اللهِ صلَّى اللهُ تعالى عليه وسلَّم والذين آمنوا كيداً أبطلَه اللهُ تعالى. ولقد فصَّلت لنا سورةُ الحشر جانباً من ذلك: (هُوَ الَّذِي أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ دِيَارِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ مَا ظَنَنْتُمْ أَنْ يَخْرُجُوا وَظَنُّوا أَنَّهُمْ مَانِعَتُهُمْ حُصُونُهُمْ مِنَ اللَّهِ فَأَتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ حَيْثُ لَمْ يَحْتَسِبُوا وَقَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ يُخْرِبُونَ بُيُوتَهُمْ بِأَيْدِيهِمْ وَأَيْدِي الْمُؤْمِنِينَ فَاعْتَبِرُوا يَا أُولِي الْأَبْصَارِ. وَلَوْلَا أَنْ كَتَبَ اللَّهُ عَلَيْهِمُ الْجَلَاءَ لَعَذَّبَهُمْ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الْآخِرَةِ عَذَابُ النَّارِ. ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِّ اللَّهَ فَإِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ) (2- 4 الحشر).
إنَّ قولَ اللهِ تعالى “كُلَّمَا أَوْقَدُوا نَارًا لِلْحَرْبِ أَطْفَأَهَا اللَّهُ” قانونٌ إلهي لا يملكُ الذين كفروا من بَني إسرائيل ما يجعلهم يفلُتون من مُحكَمِ قبضتِه وصارمِ بطشِه. ولولا هذا القانونُ الإلهي لكان العالَمُ غيرَ العالَمِ ولكانت البشريةُ قد انقرضت عن بكرةِ أبيها منذ أمدٍ بعيد! ويُعينُنا هذا على تبيُّنِ ما للذين كفروا من بَني إسرائيل من عظيمِ مكرٍ يكفينا أن نتدبَّرَ ما جاءَنا به القرآنُ العظيمُ في وصفِه:
1- (وَقَدْ مَكَرُوا مَكْرَهُمْ وَعِنْدَ اللَّهِ مَكْرُهُمْ وَإِنْ كَانَ مَكْرُهُمْ لِتَزُولَ مِنْهُ الْجِبَالُ) (46 إبراهيم).
2- (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكَ لَيَبْعَثَنَّ عَلَيْهِمْ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ مَنْ يَسُومُهُمْ سُوءَ الْعَذَابِ إِنَّ رَبَّكَ لَسَرِيعُ الْعِقَابِ وَإِنَّهُ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ) (167 الأعراف).
فاللهُ تعالى ما كان ليذرَ الذين كفروا من بَني إسرائيل يعيثون في الأرضِ فساداً يضاهئُ ما تختزنُه قلوبُهم من دفينِ حقدٍ وعظيمِ غِلٍّ وشديدِ حرصٍ على كلِّ ما عندَ غيرِهم مما ليس لهم فيه حق، فكان أن يسَّرَ كلَّ ما من شأنِه أن يجعلَ مخططاتِهم تبقى حبيسةَ صدورِهم وعقولِهم، فلم يُمكِّن لها ما يجعلُ الناسَ يكتوون بِشرِّها.

أضف تعليق