
أنزلَ اللهُ تعالى قرآنَه العظيم تبياناً لكلِّ شيءٍ يُعينُ مَن يتدبَّرُ آياتِه على أن يتبيَّنَ من حقائقِ الوجودِ ما ليس لكتابٍ غيرِه أن يكشفَ النقابَ عنه. ومن ذلك أنَّ اللهَ تعالى بمقدورِه أن يخلقَ ما يشاء خلقاً آنياً فورياً لحظياً بمجردِ أن يقولَ له “كن فيكون”: (إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) (40 النحل).
وخيرُ مثالٍ على ذلك الناقةُ التي أرسلَها اللهُ تعالى إلى قومِ سيدِنا صالح آيةً من بيِّنِ آياتِه، وشجرةُ اليقطين التي أنبتها على سيدِنا يونس فكان منها دواؤه وشفاؤه بإذن اللهِ تعالى. واللهُ تعالى قادرٌ على أن يفعلَ بمخلوقاتِه ما يشاء؛ فإن شاءَ أبقاها على صورتِها التي تُعرَفُ بها عادةً، وإن شاءَ صيَّرها ما يشاءُ بلمحِ البصر: (وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ) (50 القمر).
وخيرُ مثالٍ على ذلك عصا سيدِنا موسى التي صيَّرَها اللهُ تعالى ثعباناً بلمحِ البصر، ومسخُ فاسقي بني إسرائيل قردةً وخنازير مسخاً آنياً فورياً لحظياً:
1- (قُلْ هَلْ أُنَبِّئُكُمْ بِشَرٍّ مِنْ ذَلِكَ مَثُوبَةً عِنْدَ اللَّهِ مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنَازِيرَ وَعَبَدَ الطَّاغُوتَ أُولَئِكَ شَرٌّ مَكَانًا وَأَضَلُّ عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ) (60 المائدة).
2- (فَلَمَّا نَسُوا مَا ذُكِّرُوا بِهِ أَنْجَيْنَا الَّذِينَ يَنْهَوْنَ عَنِ السُّوءِ وَأَخَذْنَا الَّذِينَ ظَلَمُوا بِعَذَابٍ بَئِيسٍ بِمَا كَانُوا يَفْسُقُونَ. فَلَمَّا عَتَوْا عَنْ مَا نُهُوا عَنْهُ قُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ) (165- 166 الأعراف).
3- (وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ الَّذِينَ اعْتَدَوْا مِنْكُمْ فِي السَّبْتِ فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُوا قِرَدَةً خَاسِئِينَ. فَجَعَلْنَاهَا نَكَالًا لِمَا بَيْنَ يَدَيْهَا وَمَا خَلْفَهَا وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ) (65- 66 البقرة).
ويُخطِئُ كلُّ مَن يظنُّ ويتوهَّم أنَّ هذا المسخَ لا ينبغي أن يؤخذَ بمعناه “الحرفي” وإنما يؤخذُ بمعناه “المجازي”! فمن المفسرين من ذهبَ في تفسيرِ آياتِ المسخِ هذه مذهباً يتعارضُ مع صريحِ نصِّ القرآن، وذلك بزعمِهم “أنَّ اللهَ بقولِه إنه قد مسخَ القومَ فإنَّه إنما أبعدَهم وأذلَّهم فلا حظَّ لهم بعدها في شيءٍ من رحمتِه”! والسببُ الذي حدا بهؤلاء المفسِّرين لأن يقولوا بالمعنى “المَجازي” للمسخ هو هذا “التعظيمُ” من جانبِهم للعقل وإلى الحدِّ الذي جعلهم مضطرين إلى الإعراضِ عن صريحِ نَصِّ القرآنِ العظيم، وذلك انتصاراً منهم لهذا العقل الذي يرى في القولِ بالمعنى “الحرفي” للمسخِ تعارضاً مع ما يقومُ عليه المنطقُ وما بين أيدينا من عِلم!
