
نقرأُ في سورةِ القصَص، وفي الآيةِ الكريمةِ 57 منها، قولَ اللهِ تعالى: (وَقَالُوا إِنْ نَتَّبِعِ الْهُدَى مَعَكَ نُتَخَطَّفْ مِنْ أَرْضِنَا أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُون). فما هو معنى “رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا” في هذه الآيةِ الكريمة؟
يتكفَّلُ بتبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ما كانت عليه مكةُ قبلَ أن يتوجَّهَ سيدُنا إبراهيمُ تلقاءها تلبيةً منه واستجابةً لأمرِ اللهِ تعالى: (رَبَّنَا إِنِّي أَسْكَنْتُ مِنْ ذُرِّيَّتِي بِوَادٍ غَيْرِ ذِي زَرْعٍ عِنْدَ بَيْتِكَ الْمُحَرَّمِ رَبَّنَا لِيُقِيمُوا الصَّلَاةَ فَاجْعَلْ أَفْئِدَةً مِنَ النَّاسِ تَهْوِي إِلَيْهِمْ وَارْزُقْهُمْ مِنَ الثَّمَرَاتِ لَعَلَّهُمْ يَشْكُرُونَ) (37 إبراهيم). فمكةُ لم تكن حين رآها سيدُنا إبراهيمُ أولَ مرة إلا “وادياً غيرَ ذي زرع”، فكان أن توجَّهَ سيدُنا إبراهيمُ إلى اللهِ تعالى يدعوه أن يتكفَّلَ بإطعام من شاءَ لهم اللهُ من ذريتِه أن يسكنَ ذلك الوادي ليُلازمَ بيتَه المحرَّمَ إماماً للناس. ولقد دعا سيدُنا إبراهيمُ اللهَ تعالى أن يرزقَ كلَّ مَن شاءَ لهم اللهُ أن يكونوا أهلَ ذلك الوادي الذي باركَه ببيتِه المحرَّم. فاللهُ تعالى هو الذي دلَّ سيدَنا إبراهيم على مكانِ البيتِ العتيق الذي كان قد أمرَ أبانا آدمَ بأن يتولَّى أمرَ بنائه، وذلك قبلَ سيدِنا إبراهيم بحقَبٍ من الزمان لا يعلمُ عددَها إلا هو: (وَإِذْ بَوَّأْنَا لِإِبْرَاهِيمَ مَكَانَ الْبَيْتِ أَنْ لَا تُشْرِكْ بِي شَيْئًا وَطَهِّرْ بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْقَائِمِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُود) (26 الحج).
فلولا بيتُ اللهِ المحرَّمُ ما كان لأهلِ ذلك الوادي، الذي وصفَه سيدُنا إبراهيم بأنَّه “وادٍ غيرُ ذي زرع”، أن يطيبَ لهم فيه عيش. فسيدُنا إبراهيمُ هو الذي دعا اللهَ تعالى أن يكفلَ لهم معايشَهم فكان أن شرعت الأرزاقُ تأتيهم من كلِّ حدبٍ وصوب: (أَوَلَمْ نُمَكِّنْ لَهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَى إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِزْقًا مِنْ لَدُنَّا) (من 57 القصص).
فاللهُ تعالى قد وصفَ رزقَه الذي أنعمَ به على أهلِ مكةَ بأنَّه “رزقٌ من لدنه”، وما ذلك إلا لأنَّ الأرزاقَ ما كانت لتتدفَّقَ على أهلِ مكةَ لولا بيتُه المحرَّم الذي أخذ الناسُ يتوافدون إليه جالبين معهم “ثَمَرَاتِ كُلِّ شَيْءٍ”: (وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُمْ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتِّعُهُ قَلِيلًا ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِير) (126 البقرة). فلولا بيتُ اللهِ المحرَّمُ ما كانت مكةُ ولا كان لِواديها أن يمتلأَ بالخيراتِ، الوافدةِ إليه من خارجِه، رزقاً من لدن اللهِ تعالى.
