
من جملةِ الأخطاءِ التي يقعُ فيها كثيرٌ منا هو هذا الظنُّ بأنَّ أقوامَ الأنبياءِ لم يكونوا كغيرِهم من البشر! فنحن نتوهَّمُ أنَّ أقوامَ الأنبياءِ، إذ كانوا على درجةٍ من السوءِ جعلتهم محلاً لنزولِ غضبِ اللهِ تعالى عليهم، فإنَّنا أفضلُ حالاً مع اللهِ تعالى منهم وبما لا يجعلُنا عرضةً لأن يصيبَنا من اللهِ تعالى ما أصابَهم! وهذا ظنُّ دحضَه اللهُ تعالى في قرآنِه العظيم في مواطنَ منه كثيرة. ومن هذه المواطنِ الجليلة:
1- (وَلَقَدْ أَهْلَكْنَا أَشْيَاعَكُمْ فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ) (51 القمر).
2- (وَأَنْذِرِ النَّاسَ يَوْمَ يَأْتِيهِمُ الْعَذَابُ فَيَقُولُ الَّذِينَ ظَلَمُوا رَبَّنَا أَخِّرْنَا إِلَى أَجَلٍ قَرِيبٍ نُجِبْ دَعْوَتَكَ وَنَتَّبِعِ الرُّسُلَ أَوَلَمْ تَكُونُوا أَقْسَمْتُمْ مِنْ قَبْلُ مَا لَكُمْ مِنْ زَوَالٍ. وَسَكَنْتُمْ فِي مَسَاكِنِ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ وَتَبَيَّنَ لَكُمْ كَيْفَ فَعَلْنَا بِهِمْ وَضَرَبْنَا لَكُمُ الْأَمْثَال) (44- 45 إبراهيم).
3- (وَلَوْ تَرَى إِذْ فَزِعُوا فَلَا فَوْتَ وَأُخِذُوا مِنْ مَكَانٍ قَرِيبٍ. وَقَالُوا آمَنَّا بِهِ وَأَنَّى لَهُمُ التَّنَاوُشُ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. وَقَدْ كَفَرُوا بِهِ مِنْ قَبْلُ وَيَقْذِفُونَ بِالْغَيْبِ مِنْ مَكَانٍ بَعِيدٍ. وَحِيلَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ مَا يَشْتَهُونَ كَمَا فُعِلَ بِأَشْيَاعِهِمْ مِنْ قَبْلُ إِنَّهُمْ كَانُوا فِي شَكٍّ مُرِيبٍ) (51- 54 سورة سبأ).
فكيف لا يكونُ كثيرٌ من الناس أمثالَ وأشياعَ أقوامِ الأنبياء وهُم يماثلونهم هَوَساً بـ “أنصافِ الحقائق”؟! فالعالَمُ اليوم مسرحٌ لما ليس باليسيرِ إحصاؤه من التعاساتِ والعذابات والمظالمِ والموبقات، وكلُّ هذه المعاناة تسبَّبَ فيها إصرارُنا على التشبُّثِ بأنصافِ الحقائق عوضَ الإقرارِ بأنَّ الحقيقةَ إما أن تُعرَفَ بحذافيرها وإلا فهي والباطلُ سواء!
ويُعينُنا على تبيُّنِ هذا الهوسِ والافتتانِ بأنصافِ الحقائق أن نتدبَّرَ بعضاً مما جاءنا به القرآنُ العظيم من قصَصِ وأنباءِ الأنبياء. فأقوامُ الأنبياءِ قد سوَّغوا لإعراضِهم عن رسالاتِ اللهِ التي جاءهم بها أنبياؤهم بأنهم ليسوا إلا بشراً فحسب! ويُجلِّي هذا التسويغُ هوسَ أقوامِ الأنبياء بأنصافِ الحقائقِ أيما تجلٍّ. صحيحٌ أنَّ أنبياءَ اللهِ تعالى كانوا بشراً، ولكن هذا هو نصفُ الحقيقةِ التي أبى أقوامُ الأنبياءِ أن يُقِرُّوا بنصفِها الآخر والذي تجلَّى بكونِ الأنبياء “بشراً يُوحى إليهم”:
1- (قُلْ إِنَّمَا أَنَا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يُوحَى إِلَيَّ أَنَّمَا إِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ) (من 110 الكهف).
2- (قَالُوا إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُنَا تُرِيدُونَ أَنْ تَصُدُّونَا عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا فَأْتُونَا بِسُلْطَانٍ مُبِينٍ. قَالَتْ لَهُمْ رُسُلُهُمْ إِنْ نَحْنُ إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَمُنُّ عَلَى مَنْ يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ) (من 10- من 11 إبراهيم).
3- (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ. قَالَ يَا قَوْمِ أَرَأَيْتُمْ إِنْ كُنْتُ عَلَى بَيِّنَةٍ مِنْ رَبِّي وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ فَعُمِّيَتْ عَلَيْكُمْ) (27- من 28 هود).
