
نقرأُ في سورةِ المؤمنون، وفي الآيةِ الكريمةِ 27 منها، قَولَ اللهِ تعالى: (فَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ أَنِ اصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا فَإِذَا جَاءَ أَمْرُنَا وَفَارَ التَّنُّورُ فَاسْلُكْ فِيهَا مِنْ كُلٍّ زَوْجَيْنِ اثْنَيْنِ وَأَهْلَكَ إِلَّا مَنْ سَبَقَ عَلَيْهِ الْقَوْلُ مِنْهُمْ وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ). وهو عينُ ما نقرأُه في سورةِ هود وفي الآيتَين الكريمتَين 36- 37 منها: (وَأُوحِيَ إِلَى نُوحٍ أَنَّهُ لَنْ يُؤْمِنَ مِنْ قَوْمِكَ إِلَّا مَنْ قَدْ آمَنَ فَلَا تَبْتَئِسْ بِمَا كَانُوا يَفْعَلُونَ. وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا إِنَّهُمْ مُغْرَقُونَ).
فما هو معنى قَولِ اللهِ تعالى لسيدِنا نوح “وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا”؟
يُعينُ على تبيُّنِ هذا المعنى أن نستذكرَ ونتدبَّرَ الآيتَين الكريمتَين 45- 46 من سورةِ هود: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ. قَالَ يَا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صَالِحٍ فَلَا تَسْأَلْنِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ). فإذا كان سيدُنا نوح هو مَن دعا اللهَ تعالى أن يُنزِلَ عذابَه بساحةِ قومِه فلا يذرَ منهم أحداً: (وَقَالَ نُوحٌ رَبِّ لَا تَذَرْ عَلَى الْأَرْضِ مِنَ الْكَافِرِينَ دَيَّارًا. إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبَادَكَ وَلَا يَلِدُوا إِلَّا فَاجِرًا كَفَّارًا) (26- 27 نوح)، فإنَّه عليه السلام هو مَن دعا اللهَ تعالى أن يستثنيَ ابنَه من هذا العذاب، وذلك بعدما “قُضِيَ الأمر” وعادت الأمورُ إلى مسارِها المعتاد: (وَنَادَى نُوحٌ رَبَّهُ فَقَالَ رَبِّ إِنَّ ابْنِي مِنْ أَهْلِي وَإِنَّ وَعْدَكَ الْحَقُّ وَأَنْتَ أَحْكَمُ الْحَاكِمِينَ).
فاللهُ تعالى كان يعلمُ أنَّ سيدَنا نوح سوف يسألُه هذه المسألةَ، ولذلك حذَّره: “”وَلَا تُخَاطِبْنِي فِي الَّذِينَ ظَلَمُوا”
وهذا الذي بدرَ من سيدِنا نوح ليس بالأمرِ المستغرب، وذلك كما يتبيَّنُ لنا بتدبُّرِ الآياتِ الكريمة ِالتالية:
1- (فَلَمَّا ذَهَبَ عَنْ إِبْرَاهِيمَ الرَّوْعُ وَجَاءَتْهُ الْبُشْرَى يُجَادِلُنَا فِي قَوْمِ لُوطٍ. إِنَّ إِبْرَاهِيمَ لَحَلِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ. يَا إِبْرَاهِيمُ أَعْرِضْ عَنْ هَذَا إِنَّهُ قَدْ جَاءَ أَمْرُ رَبِّكَ وَإِنَّهُمْ آتِيهِمْ عَذَابٌ غَيْرُ مَرْدُود) (74- 76 هود).
2- (وَلَمَّا جَاءَتْ رُسُلُنَا إِبْرَاهِيمَ بِالْبُشْرَى قَالُوا إِنَّا مُهْلِكُو أَهْلِ هَذِهِ الْقَرْيَةِ إِنَّ أَهْلَهَا كَانُوا ظَالِمِينَ. قَالَ إِنَّ فِيهَا لُوطًا قَالُوا نَحْنُ أَعْلَمُ بِمَنْ فِيهَا لَنُنَجِّيَنَّهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ) (31- 32 العنكبوت).
فسيدُنا إبراهيم جادلَ اللهَ تعالى في قومِ سيدِنا لوط، وذلك بغيةَ إبعادِ عذابِه عنهم، مجادلةً ذهبت به بعيداً وإلى الحدِّ الذي جعلَه يتذرَّعُ بتواجدِ سيدِنا لوط بين ظهرانيهم حجةً علَّها أن تجعلَ ملائكةَ العذابِ ينصرفون عما جاءوا للقيامِ به! ومردُّ ذلك كلِّه هو هذا الذي هُم عليه أنبياءُ اللهِ المُرسَلون من إشفاقٍ على الخَلق ورأفةٍ بهم ورحمة لما علِموا بما ينتظر الكافرين منهم من العذابِ في هذه الحياةِ الدنيا وفي الآخرة.
